في الوقت الذي تتمتع فيه بالحياة بلدان أخرى كثيرة ذات ثقافات متنوعة، وأعراف وأديان ومذاهب مختلفة، نجد أن الإنسان العربي يُصبح ويُمسي برؤية شلالات الدم، وصوت الرصاص والانفجارات.

والتي يكون ضحية لها الكثيرون من الأبرياء من الأطفال والنساء والرجال، ممن لا ذنب لهم سوى مجرد تواجدهم في تلك البقعة أو ذلك المكان الذي صمم لكارهي الحياة الذين صبوا جام غضبهم تحت شعار الدين من دون إدراك أن قتل الأنفس بغير حق يؤدي إلى جهنم وبئس المصير، وأن الكراسي التي تُبنى على جماجم البشر، تهلك.

لقد رسخت وزرعت الأنظمة الدموية العربية على مدى نصف قرن ثقافة القتل وإراقة الدماء، وبات المواطن العربي في بعض الأقطار، يترقب الموت في كل لحظة، ولا سبيل للخلاص من ذلك الشعور، إلا الهجرة أو الهروب من الوطن، إلى أرض تمنحه الأمن والأمان، ومن هنا هجرت الكثير من الأدمغة العربية إلى الغرب سواء بدعوة من تلك الدول أو هروباً من القمع والاضطهاد العلمي والفكري.

لقد قُضي على السياحة العربية الداخلية بأيدي مَن لا شعور وطني لديهم، فهم عطشى لرؤية الدماء والدمار، وباتت دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة دولة الإمارات العربية مكاناً آمناً ومستقراً، يقصده كل من يريد العمل والعيش بهدوء، أو أن يقضي إجازة مع أفراد عائلته من دون خوف أو رعب، حيث في الإمارات يمكن السير في الشوارع في أول الليل أو مع قدوم الفجر من دون خوف.. وكأن ليلها المضيء يحمي من كل الشرور.

ومن نماذج الطرد السياحي ما حدث في لبنان ومصر وفي بعض الدول العربية الأخرى، والتي كانت من الأماكن المفضلة لقضاء إجازة ممتعة لكل أفراد العائلة.

إن تعايش كل الجنسيات والديانات على أرض الإمارات في سلام واطمئنان هو الذي يدعونا إلى مجابهة كل من يحاول أن يمس أمن ذلك الوطن سواء بقول أو فعل.

أعتقد أنه من الواجب على كل عربي يحب وطنه، بدون النظر إلى الايدلوجية التي يتبعها أو الأفكار سواء ذات البعد القومي أو اليساري أو الديني .. أو غيرها، أن يعمل بصدق لإعادة الاستقرار الأمني للوطن، لابد من التخلص من رواسب العصر الظلامي التي مر به الوطن العربي، وخاصة الدول التي رفعت شعار الحرية والعدالة والمساواة، فلم تتحقق فيها لا الحرية ولا العدالة ولا المساواة، اللهم إلا مساواة الجميع في الاضطهاد والقمع والترهيب.

ما هي الفائدة من الدعوة إلى الديمقراطية أو التعددية السياسية من دون إنسان حر يؤمن بحرية الآخرين وأحقيتهم في الحياة الكريمة، ورغيف خبز بدون مذلة أو دموع طفلِ خائف ممن حوله لعدم شعوره بالأمان، لماذا نرى دعاة الديمقراطية والتعددية هم أول من يضع هذه الشعارات في الأدراج ويقُفل عليها بحديد، وكأن تلك الشعارات مجرد وسيلة للوصول للسلطة ليس إلا.

إلى متى تزداد الحروب الطائفية؟! ألم يستفد العرب من تجربة لبنان التي عانت من الحروب الطائفية وبالدرجة الأولى الإنسان اللبناني البسيط ولم تدرك أهمية التعايش السلمي بين كافة الطبقات الاجتماعية إلا بعد أن ذهب الإنسان والوطن ضحية لتلك الحروب.

والتي تغذيها دول أو أحزاب همها الأساسي تنفيذ أوامر قوى خارجية، تحلم بإقامة الدولة المذهبية، ولعل من المضحك والمبكي في نفس الوقت القول أن حزب الدعوة الإسلامية، لا تتدخل في قراراته دولة هي الحاضنة له، فهل يقوم أولئك بما قام به صدام حسين عام 1979 حينما أعدم معظم رفاقه في حزب البعث، تحت وهم المؤامرة، وكانت النتيجة دمار العراق وتحطيم عزة وكرامة الإنسان العراقي، .

وها هم القابضون على السلطة في العراق يحاربون ما يقارب من مليونين من العراقيين بتهمة الانتماء للبعث، ناسين أن أولئك الأفراد أُجبروا بشكل من الأشكال على الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق حفاظاً على حياتهم وحفظ أعراضهم من بطش السلطة في ذلك الوقت.

ولعل سؤال بسيط يطرح نفسه لماذا لم تتحد العراق وسوريا في دولة واحدة وهما من يؤمنان بفكر البعث، ألا يدرك أصحاب السلطة أن الناس على دين ملوكهم، فمن يستطيع الفكاك من ذلك المصير، إلا أولئك الذين يقدمون أنفسهم كقرابين دفاعاً عن أفكارهم، وهم قلة قليلة في هذا الزمن، لكن يبدو أن بعض الدول العربية تعيش في زمن الرويبضة !!

هل كتب على بعض البشر أن يعيشوا للأبد في جمهورية الرعب والقتل، أم أن المرحلة الحالية أصبحت بحاجة إلى إعادة جيوش المدافعة عن الدول العلمانية، وأن نبدأ بخطوة نحو مرحلة يعيش فيها الإنسان مرفوع الرأس والقامة من دون خوف أو رعب.