يدرك أي مجتمع يسعى إلى بسط أجنحة الأمن والأمان على شتى نواحيه، أنه لا يمكن أن يصل إلى الحد المقنع إلا إذا تضافرت جهود جميع أبنائه في العمل من أجل ذلك، لأن المؤسسات الأمنية مهما كانت محترفة عالية التدريب ودقيقة الأساليب، لا بد أن تستعين بشكل أو بآخر بعيون أبناء المجتمع الغيورين على أمنه واستقراره، لأن الفائدة أولاً وأخيراً تعود على المجتمع ذاته.

وهذه المسؤولية الاجتماعية ليست خدمة يتفضل بها الأفراد، بقدر ما هي واجب مدني حضاري تفرضه النقلة في المجتمعات، لا سيما في مجتمع مثل مجتمع الإمارات الذي انتقل خلال عقود قليلة من البداوة والبساطة والأسر المحدودة والنطاق الاجتماعي شبه المحصور والمعروف، إلى أرقى المجتمعات الحضارية المفتوحة أمام الجميع؛ مواطنين ومقيمين وزوارا وسائحين، بما يحمله ذلك من تداخل كبير واسع في الثقافات والاتجاهات والرغبات، بل تقاطع وتضارب في بعض الأحيان في المصالح، ما يحتم العمل الدؤوب على تعزيز مفاهيم الأمن ومبادئ الاستقرار الاجتماعي.

ومن هنا كانت الدولة بمؤسساتها الأمنية، حريصة على سلوك أدق المنهجيات العلمية في الحد من الجريمة وتقليص أسباب حصولها، عبر صقل مهارات رجال الأمن وتكثيف تدريباتهم، والاستعانة بأحدث وسائل ضبط الأمن في المجتمع، من دون الإخلال بعامل الحريات الشخصية، وهو الشرط الواجب توافره في أي مجتمع يفتح أبوابه للمستقبل، ويرنو إلى آفاق العالمية والريادة في قبول وتعايش أبناء جميع المجتمعات.

وهذه المعادلة الدقيقة، المكونة من بسط الأمن والأمان والاستقرار، مع توفير أعلى درجات الحرية الشخصية وعدم الإحساس بالقيود الأمنية، استطاعت الإمارات تحقيقها والبراعة فيها، وتستحق عليها أعلى درجات الجودة، ويشهد بها أبناء الإمارات والقاطنون على أرضها أو الزائرون لها.

وإذا عدنا إلى ما بدأنا به من حتمية المشاركة الاجتماعية في العمل الأمني، تبرز أمامنا فكرة شرطة الأحياء التي دعت إليها إدارة الحد من الجريمة في الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، وأعدت دراسة مستفيضة عن أهميتها ودورها في الحد من الجريمة ورفع مستوى الإحساس بالأمن والأمان، وجعل المجتمع قابلاً للعيش والعمل فيه.

والمعروف أن الفكرة مطروقة عالمياً في مناهج العمل الأمني الاجتماعي، وتعود إلى منتصف القرن الماضي، وفرضتها الحاجة الاجتماعية للحد من حوادث السطو على المساكن في الأحياء السكنية، إلا أنها تقبل التطبيق في كل زمان ومجتمع حسب الحاجة إليها، وبالقدر الذي لا يخل بركيزة الحريات الشخصية أو يدفع إلى الإحساس بالملاحقة والرقابة المستمرة.

ولا شك أن فكرة شرطة الأحياء حين بلوغها المستوى الجماهيري الممتد، يمكن النظر إليها وعدّها فكرة حضارية، لا تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان بل تضمن حمايتها وصيانتها، وهي تدل على أهمية المسؤولية الاجتماعية الجماهيرية، وأن مكتسبات المجتمع هي ملك لجميع أفراده، وحمايتها مسؤولية الجميع، لأن ثمرتها هي بسط رداء الأمن والأمان على الجميع، والعمل على تشجيع المشاركات المجتمعية والتعاون بين القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والدينية وتعزيز روح العمل المدني، انطلاقاً من حقيقة أن التماسك الاجتماعي يحد من الجريمة، ويمنع من انتشارها ونموها.

ولذلك سيعمد القائمون على تطبيق هذه الفكرة، إلى تدريب المشتركين في تطبيقها على أسس العمل الأمني الاجتماعي والتواصل والتعاون مع الأجهزة الشرطية، وترسيخ أهمية الدور الوقائي في المجتمع، وإشراكه بكل فئاته في مسؤوليات الأمن المجتمعي، وإزالة الحاجز النفسي في التعاون مع عناصر الشرطة.

هذه المبادرة التي طرحتها شرطة دبي، تنسجم مع مستوى التقدم العالمي الذي تسير نحوه الشرطة بخطى ثابتة وخطة واضحة، حيث دشنت قبل أيام وصول مركز إعداد التطبيقات الافتراضية التابع للإدارة العامة للموارد البشرية، إلى العالمية، من خلال تحقيقه الأهداف التي تخدم وتدعم استراتيجية شرطة دبي في نشر الأمن والطمأنينة، وتسخير التقنيات الحديثة في البرامج التوعوية والمضامين التربوية، وترسيخ المفاهيم الأخلاقية التي تخدم جميع شرائح المجتمع.

 استراتيجية واضحة دقيقة، تحرص على خدمة المجتمع وأبنائه ومكتسباته، وتسهر على تطوير استقراره وأمنه، تستوجب بلا أدنى شك تضافر جميع الجهود الاجتماعية، للمساعدة على الواجب الأمني المجتمعي، لأننا جميعاً مستفيدون، وحين تتراجع مظلة الأمن والأمان، لا قدر الله، فإننا سنخسر جميعاً ولن يكون بيننا أي رابح سوى التحلل الاجتماعي وضياع الحريات والمكتسبات.