ليس أسوأ ما تواجهه مصر الآن هو هذا الحكم الفاشل على جميع الجبهات، ولا افتقاد "الإخوان" وحكومتهم ورئيسهم لأي رؤية رشيدة للتعامل مع التحديات الهائلة التي تواجهها مصر، ولا انعدام الثقة لدى الشعب في إمكانية تحقيق أي تقدم في ظل هذا الحكم الذي يقود البلاد إلى كارثة اقتصادية وسياسية وأمنية.
لكن الأسوأ أن الحكم قد بدأ يفقد أعصابه، وبدأ إحساسه بالخطر يطغى على كل شيء عنده، وبدأت ردود فعله على المعارضة تزداد عنفاً لتضع البلاد أمام ما كان مستحيلاً مجرد التفكير فيه قبل شهور وليس سنوات، وهو الإضراب الأهلي.
في مواجهة عدد محدود من الشباب ذهب للاحتجاج أمام مقر "الإخوان" فوق هضبة المقطم بطريقة سلمية لم تتعدى الرسم بالجرافيك وكتابة بعض الشعارات المناهضة على أرض الشارع بعيداً عن المقر الخاضع لحراسة مشددة بمئات الأمتار، في مواجهة ذلك كان العدوان الوحشي من ميليشيات الإخوان وسحل الشباب وضرب النساء والاعتداء على الصحافيين وتحطيم كاميراتهم حتى لا تسجل الوقائع.
وفي مواجهة الدعوة للتظاهر في المكان نفسه احتجاجاً على ما حدث، حشد "الإخوان" الآلاف من أتباعهم، ونشروا الكمائن في المنطقة كلها، واستولوا على بعض مساجد المنطقة ليحولوها إلى مراكز تعذيب لمن يقع في أيديهم من شباب المعارضة.
ومع ذلك فقد فوجئوا بأن الشباب لم يسكت، بل بادلهم عنفاً بعنف، وكان هذا أخطر ما حدث. لأنه يعني أن بعض قوى الثورة التي تمسكت بسلمية الثورة حتى الآن، قد أصبحت ترى أن مسلكها السلمي لم يردع "الإخوان" وحلفاءهم عن استخدام العنف ضدهم، ولهذا بدأوا في مراجعة موقفهم في تطور خطير للغاية.
لكن الأخطر كان موقف السلطة الحاكمة التي بدأت منذ تغيير وزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين وتعيين الوزير الحالي محمد إبراهيم، في الاتجاه نحو استخدام العنف المفرط ضد المعارضين، وكانت النتيجة سقوط حوالي خمسين شهيداً في مدينة بورسعيد وحدها، وعشرات آخرين في المدن الأخرى، واستهداف الثوار عمداً في المظاهرات أو اختطافهم وتعذيبهم وقتلهم. دون إدراك أن العنف سيولد العنف، ويقود النظام إلى طريق مسدود.
لم يأخذ النظام عبرة من التجربة الفاشلة لفرض الطوارئ وحظر التجول في مدن القناة، والذي تحول إلى أضحوكة اضطرت رئيس الجمهورية للتراجع. فإذا به ينتفض بعد أحداث المقطم ليهدد الأصابع التي تعبث وبسجن المعارضين، ويحرض على الصحافة والإعلام، ويعلن أنه بصدد قرارات استثنائية لمواجهة الموقف.
وعلى الفور كان أنصار الرئيس يحاصرون مدينة الإنتاج الإعلامي ويعتدون على الإعلاميين، ويهددون بإغلاق القنوات التلفزيونية. وكان الإخوان يتقدمون بكشف به مئات الأسماء لقيادات سياسية وصحافية وشبابية لكي يقوم النائب العام التابع لهم باتخاذ الإجراءات القانونية معهم.
وبينما كانت آثار ما حدث في المقطم تقول إن خطر الإضراب الأهلي يتزايد، كانت قيادات "الإخوان" تزيد النار اشتعالاً بأحاديث غير مسؤولة وصلت لحد التهديد بمصير مثل مصير سوريا، كما توعد عصام العريان نائب رئيس الحزب التابع للجماعة، يعني إما الرضوخ لحكمهم أو تحويل مصر إلى بحر من الدماء.
وتزداد درجة فقدان الأعصاب مع تزايد الدعوات لجيش مصر لإنقاذ الموقف قبل الكارثة، ورغم تحفظ قوى كثيرة على عودة الجيش للعمل السياسي، وتحفظ قيادة الجيش نفسها على ذلك، فإن قوى سياسية ورموزاً في المعارضة (مثل البرادعي) ترى أن ذلك قد يكون الحل الأخير والوحيد لإنقاذ مصر من الفوضى.
وفي الأسبوعين الأخيرين تزايد الاحتقان على خلفية العلاقات مع "حماس" ومع الإعلان عن إغلاق عدد من الأنفاق، وضبط كمية من القماش المخصص لصنع ملابس ضباط وجنود الجيش وهي في طريقها لغزة، وكان التفسير من الإخوان و"حماس" إنها كانت في طريقها ليصنع منها ملابس للأطفال.
وبعدها تم الكشف عن طن المتفجرات في نفق أحمد حمدي، ومع تسريبات (قد لا تكون دقيقة) عن علاقة شخصيات من حماس بعملية اغتيال الجنود المصريين على الحدود في رمضان الماضي. وكان نشر هذه التسريبات في صحيفة قومية "الأهرام العربي" وليس في صحيفة معارضة يطرح الكثير من التساؤلات عن توقيت النشر ومغزاه.
غير أن الأخطر جاء قبل أيام على لسان رئيس أحد الأحزاب القريبة من الحكم وهو حزب "الوسط " الذي كان في البدء محاولة من "الإخوان" لاقتحام الحياة السياسية، ثم تخلت قيادة الجماعة عن المشروع. ففي تصريحات خطيرة لرئيس الحزب المهندس أبو العلا ماضي، قال إن الرئيس مرسي أبلغه أن جهاز المخابرات العامة المصرية قام قبل سنوات بتجنيد 300 ألف بلطجي، منهم 70 ألفاً في القاهرة وحدها.
وأن المخابرات قامت وفقاً لمعلومات الرئيس المصري بتسليم هذه الآلاف المؤلفة من البلطجية لوزارة الداخلية حيث عملوا تحت إمرة جهاز مباحث أمن الدولة السابق في السنوات السبع الأخيرة، وأن هؤلاء مازالوا يمارسون عملهم في مناهضة حكم الإخوان، وكانوا مشاركين في أحداث قصر "الاتحادية".
التصريحات أذيعت مسجلة بالفيديو، ورئيس حزب الوسط من المقربين للرئيس المصري، والأهم أن الرئاسة حتى كتابة هذه السطور لم تتكلم، وأن اتهام "المخابرات العامة" بهذا العمل هو كلام يجافي العقل، وأن تورط رئيس الجمهورية فيه يمثل مشكلة تخص الأمن القومي، ويجسد صراعاً على هذا الجهاز الخطير الذي لا يحتمل الكثير من الهزات خاصة في هذا الوقت الذي تتعاظم فيه المخاطر الخارجية ويزداد التوتر على كل حدود مصر.
أخطر ما تواجهه مصر الآن، أن يمتد الصراع الداخلي بين "الإخوان" من جانب وباقي القوى الوطنية من جانب آخر، إلى المساس بالأمن الوطني والقومي.
وأسوأ حالات الحكم أن يكون "الوطن" غائباً في تقديرات من يحكم، وأن تكون مصلحة الحزب أو الجماعة فوق كل اعتبار، حتى لو قادت دولة بحجم مصر إلى الكارثة، وفتحت أمام شعبها طريق الإضراب الداخلي، لقد انهارت تقريباً كل مؤسسات الدولة المصرية، ولم يبق إلا مؤسسة الجيش ومعها جهاز المخابرات. وحين تهدد قيادات "الإخوان" المصريين بمصير سوريا إذا لم يرضخوا، فإنها لا تكتب فقط شهادة نهاية حكمها، ولكنها أيضاً تكشف عن مأساة الفاشية الدينية، حين تتاجر بالدين وتفقد الإحساس بقيمة الوطن.