من ينظر إلى محطات زيارة الرئيس الأميركي الذي يصل اليوم للمنطقة، قد يأخذ انطباعا خاطئا حول أهداف الزيارة. فأوباما سيزور إسرائيل والضفة الغربية والأردن، مما قد يجعلك تتصور أن فلسطين على قمة أولوياته. لكن الحقيقة أن ترتيب القضايا على أجندة أوباما، هو نفسه الترتيب الذي تفضله إسرائيل، حيث تتصدرها إيران وسوريا والتعاون الأميركي الاستراتيجي مع إسرائيل، عشية التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة العربية؛ من تونس إلى اليمن.
ووضع القضية الفلسطينية في ذيل أجندة أوباما، أكدته الجهود التي بذلتها إدارته لخفض التوقعات بشأن ما يترتب على تلك الزيارة بخصوص فلسطين، وإعلان مسؤوليها صراحة أن لا مبادرة أميركية في الطريق، وأن الرئيس الأميركي سيأتي للمنطقة "ليستمع".. وكأنه لم يكن رئيسا لأربع سنوات، استمع خلالها بالقدر الكافي!
ورغم أن الظروف مهيأة للرئيس الأميركي لفعل شيء بخصوص القضية الفلسطينية، إلا أنه اختار ألا يفعل ذلك. فأوباما رغم كل ما قدمه لإسرائيل طوال مدة ولايته الأولى، فإن علاقته بها لم تكن أبدا على مايرام. وأوباما لا يحظى بشعبية بين الإسرائيليين، فهو يزورها اليوم للمرة الأولى منذ تولى الرئاسة في 2009، وهو الأمر الذي اعتبر بمثابة موقف معاد لم يقدم عليه رئيس أميركي من قبل، والكثيرون في إسرائيل لا يعتبرونه صديقا لبلادهم منذ أن طالب بوقف الاستيطان.
ولم يشفع لأوباما أبدا، أن التعاون الأمني والعسكري والاستراتيجي في عهده، وصل إلى مستويات ليست مسبوقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، باعتراف إيهود باراك نفسه. ونتنياهو لم يكن يوما على علاقة جيدة بأوباما، بل وصل الأمر إلى حد العمل بوضوح لدعم ميت رومني، من أجل هزيمة أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية الماضية.
لكن أوباما يزور إسرائيل في سياق أميركي ودولي، يجعله أكثر صلابة بكثير مما إذا كان قد قام بزيارة إسرائيل في أي وقت مضى. فهو استطاع أن يلحق بنتنياهو هزيمتين متتاليتين، الأولى حين هزم ميت رومني الذي فضله نتنياهو، فوضع الأخير في موقف بالغ الحرج داخل إسرائيل، حيث بدا وكأنه يضحي بالعلاقة الحيوية مع أميركا في مخاطرة غير محسوبة. أما الهزيمة الثانية فكانت تنصيب تشاك هاغل وزيرا للدفاع. فرغم أن منظمة إيباك، اللوبي الرسمي المناصر لإسرائيل، لم تناهض هاغل علنا، إلا أن القوى الأخرى المناصرة لإسرائيل، شنت حملة شرسة ضده اتهمته فيها بالعداء لإسرائيل والسامية.
وأوباما يصل إلى إسرائيل بينما تواجه منظمة إيباك انتقادات في الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنها تسعى لإعفاء المعونات الأميركية لإسرائيل من الخفض الأميركي الشامل في الإنفاق. ففي إطار الجدل السياسي حول الديون الأميركية، تم الاتفاق بين الكونغرس والرئيس على خفض شامل في الميزانية، بما فيها ميزانية الدفاع، يبدأ أوتوماتيكيا إذا لم يتم التوصل لاتفاق. وقد بدأ العمل بالخفض فعلا بداية هذا الشهر، وهو الذي سيشعر بوطأته كل الأميركيين.
وإرسال إيباك الآلاف من أعضائها إلى الكونغرس للمطالبة بإعفاء المعونة المقدمة لإسرائيل، أثار انتقادات واسعة من ليبراليين يهود وغيرهم، اعتبروا أن مثل ذلك التصرف يميز الإسرائيليين ويعطيهم حقا في الميزانية الأميركية، لا يملكه المواطنون الأميركيون أنفسهم الذين لن يعفى أحد منهم من تطبيق الخفض. وقد أثار موقف إيباك قلق قطاع مهم في إسرائيل، اعتبر أنه قد يؤدي لتذمر شعبي أميركي يضر بإسرائيل ولا يخدمها. أما على المستوى الدولي، فإن الاتحاد الأوروبي أصدر مؤخرا تقريرا يعتبر المستوطنات هي التهديد الأهم على الإطلاق لحل الدولتين.
باختصار؛ يعطي مثل هذا السياق الأميركي والدولي لأوباما الفرصة في اتخاذ مواقف جريئة بشأن القضية الفلسطينية، لكن الرئيس الأميركي اختار ألا يفعل، لأنه لا توجد ببساطة تكلفة يدفعها لو أنه تجاهلها. ثم إن القضايا الأخرى على أجندته، لها الأهمية القصوى في بداية إدارته الثانية. فالولايات المتحدة لها مصلحة حيوية في الحفاظ على أمن إسرائيل، ومن ثم فإن المسألة السورية تشكل أولوية لها، سواء في ظل الوضع الراهن أو في حالة حسم الصراع. ولعل الوضع السوري هو أيضا الهدف من وراء زيارة الأردن، التي يهم الولايات المتحدة دعم حكومتها وأمنها في ضوء ما يجري على حدودها.
وما جرى في أكثر من بلد عربي من الإطاحة بنظم الحكم فيها، يمثل أيضا في نظر الولايات المتحدة، خطرا على مصالحها وأمن إسرائيل. فلم يعد من الممكن الاعتماد على الاتفاق مع رأس الدولة وتجاهل ما تراه الشعوب، الأمر الذي يعني ضرورة البحث عن آليات جديدة للحفاظ على مصالح البلدين. ويلفت انتباهك ما صدر عن نائب مستشار الأمن القومي الأميركي بن رودز قبل الزيارة، من أن أوباما سيطالب إسرائيل بأن تقنع الرأي العام العربي "بأنها جادة بخصوص السلام"! ووجه الغرابة هو أن على إسرائيل أن تقنع العرب، دون أن يكون هناك بالضرورة سعي للتسوية!
لكن أوباما يحمل معه أيضا ضغوطا من الكونغرس بشأن إيران. فهناك حملة قوية يقودها أنصار إسرائيل، هدفها دعم مشروع القرار الذي تقدم به اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ، وينص على دعم إسرائيل "دبلوماسيا وعسكريا" إذا ما وجهت الأخيرة ضربة عسكرية لإيران.
بعبارة أخرى؛ فالهدف الرئيسي للزيارة هو أمن إسرائيل، لكن يتبقى أن نسمع من أوباما خلال الزيارة، المدى الذي سيصل له هذا الدعم، سواء في ما يتعلق بتأثر إسرائيل بالخفض الشامل للميزانية الأميركية، أو ما يتعلق بالتعاون الاستراتيجي. والأهم من ذلك كله، هو ما سيقوله الرئيس الأميركي من تل أبيب لإيران.