أنذر بنيامين نتنياهو أركان النخب السياسية، التي خاضت انتخابات الكنيست الإسرائيلي التاسعة عشرة، بضرورة التعجيل بالتشكيل الوزاري قبل استقبال باراك أوباما سيد البيت الأبيض الأميركي.
ألمح نتنياهو لشركائه المشاكسين، إلى أنه لا يليق بهم وبدولتهم أن يأتيهم "ولي النعم" زائرا وداعما، ملقيا خطابه الأم في جولته الشرق أوسطية بين ظهرانيهم، فيما هم ماضون في مماحكاتهم وغواياتهم الحزبية والفئوية.. وأن عليهم التخلي، ولو مؤقتا، عن المزايدات والمناقصات الجارية منذ شهرين، لأجل الاصطفاف خلفه في تشريفة المضيفين.
ويبدو أن رسالة نتنياهو؛ التي عززها خطاب أنصاره في الداخل ودهاة اللوبي الصهيوني في الديار الأميركية، قد حققت غايتها في وقت مناسب.. بما ساعد زعيم حزب الليكود على تلفيق وزارة تحظى بأغلبية النصف زائدا ثمانية أعضاء، في المؤسسة التشريعية الإسرائيلية البالغ قوامها 120 نائبا.
أهم ما يجمع بين ألوان الطيف في هذه التوليفة الحكومية، هو التلاقي بنسب متقاربة على لاءات رئيس الوزراء، إزاء التعامل مع ملف التسوية على المسار الإسرائيلي الفلسطيني: لا انسحاب إلى حدود 1967، لا تخلي عن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، لا مغادرة لمنطقة الأغوار، لا تصفية للمستوطنات لا سيما في رحاب القدس، ولا قبول بحق العودة الفلسطيني..
لا يتخاصم الإسرائيليون على هذه الثوابت، لكنهم يتجادلون حول قضايا تتعلق بملفات وثيقة الصلة بأحوالهم الداخلية، وفي طليعتها موقع القوى الدينية والمتدينين ومكانتهم في كل من الدولة وعملية صناعة القرار.
وفي هذا الصدد، لن يسكت هؤلاء الأخيرون، مثل حزبي "شاس" و"يهودت هتوراه"، على تجاوزهم في المكون الحكومي للمرة الأولى منذ عشرة أعوام.. والأقرب للمنطق أنهم سيتخذون موقف الطأطأة إلى حين.
وإذا ما اتجهت الحكومة الناجزة تواً إلى تجنيد المتدينين (الحريديم) في الجيش، والتضييق على موازناتهم ومكتسباتهم المالية والإدارية والقانونية، فسوف يعجلون بتوتير الأجواء باستخدام أوراقهم القوية، والتي من بينها لوبي الاستيطان وقطعان المستوطنين.
على الجانب الآخر من زيارة أوباما، تبدو الصورة المجتمعية العربية شديدة الارتباك، مفعمة بمظاهر التوتر والتشاكس والتلاوم والتلاسن، إلى درك الاشتباك والانقسام والاحتداد الإيديولوجي والسياسي في بعض الكيانات، والصدام الدامي المروع في كيانات أخرى.. وما يحدث في سوريا نموذج يفقع الأعين على هذا البعض الأخير. ومن المؤلم أن بيانات أو تعبيرات تضع أمام الزائر الأميركي القواسم المشتركة التي يؤتلف حولها ولا يختلف عليها في إطار الملف الفلسطيني، لم تصدر عن لقاء استثنائي يجمع أقطاب السياسة الفلسطينية.
التدافع بين القوى والأحزاب والحركات والدوائر السياسية في دنيا العرب، داخل الكيانات وفي ما بينها، يتعلق بكل شيء تقريبا.. ولا تستثنى من ذلك العارض مبادرة السلام الاستراتيجي مع إسرائيل؛ التي يراها البعض شيئا متقادما يستحق الإلغاء والهجران والطلاق البائن، فيما يراهن البعض على صلاحيتها، أقله لأن العرب لم يتفقوا بعد على بدائل لها. ويقينا سيسمع الرئيس الأميركي تقييمات متباينة بين الصعيدين الرسمي والشعبي، لكل شاردة وواردة من السياسة الأميركية تجاه الصراع والتسوية مع إسرائيل.
والحال كذلك، فإنه بعد عشرين عاما على موادعات أوسلو وتوابعها، سوف يستقبل الإسرائيليون أوباما وهم على بينة من ثوابتهم بخصوص عملية التسوية الفلسطينية.. فيما سيظهر الجانب الآخر متشادا أو منقسما، أو مشغولا بورش الهدم والبناء النظامي. ولعل الإدراك الأميركي المسبق لهذا المشهد، أحد أسباب الإعلانات المستفزة عن خلو جعبة الرئيس الأميركي من مبادرة كبرى، تحرك عجلات قطار التسوية الصدئة.
وليس أكثر مدعاة للغضب بين يدي هذه الزيارة، مثل الزعم بأن أوباما سوف يستطلع المناخ ويتعرف على مواقف الأطراف، لأجل استئناف مفاوضات التسوية الفلسطينية الإسرائيلية. لو كان الرئيس الأميركي في مستهل ولايته الأولى، لجاز ابتلاع هذا الدواء المسكن على مضض.. لكن أوباما وإدارته يقفون، ليس فقط على ميراث سياسة أميركية متغلغلة منذ عقود في أحشاء الصراع والتسوية في هذه المنطقة من العالم، وإنما كانت لهم هم أنفسهم مداخلتهم المباشرة لأربعة أعوام في هذه الأحشاء. فكيف بحق السماء يتحدثون عما يشبه البداية من نقطة الصفر؟..
في أحد تصريحاته الطازجة، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل دان شابيرو، إن أوباما سيزور إسرائيل والضفة الغربية والأردن "ومعه أجندة عاجلة لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.."، ومع أن الأفق لا يحمل أي بادرة لهذه البشارة، فإننا نقول؛ أفلح إن صدق..