القارئ لتقارير التنمية البشرية التي صدرت تباعاً عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، يلاحظ أن النرويج ظلت على مدى السنوات الأخيرة تحتل المرتبة الأولى بين دول العالم، ولم تستطع بلوغ هذه المكانة إلا لأن النرويج الواقعة في شمال القارة الأوروبية، استطاعت بجهد وعمل مواطنيها، دون اعتماد على العمالة الأجنبية، أن تبني عبر عقود تاريخية اقتصاداً قائما على المعرفة، فضلاً عن إرساء قاعدة متينه لبنى تحتية متطورة، والأهم أن هذه الدولة الاسكندنافية وصلت بالتعليم وخدمات الصحة، إلى أرقى مستوى.
ومع انعدام المقارنة، نجد أن الإمارات، لظروف موضوعية، احتلت المرتبة 49، وبعد سنتين حصلت على المرتبة 44، ثم إلى المرتبة 33 في تقرير العام الماضي، مقارنة بدول العالم الصناعية والنامية والناشئة، الا أن دولتنا حصدت المرتبة الأولى عربياً، نظراً لمواردها الاقتصادية وقلة عدد سكانها ومساحتها الجغرافية المتواضعة، علما بأن حالة كل من خدمات الصحة والتعليم في أي مجتمع، تحدد مؤشرات قياس مستوى التقدم المحرز في ميادين التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أسوق هذه المداخلة وأنا أستحضر حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وهو يؤكد أن بلوغ دولة الإمارات لموقع من أفضل حكومات العالم، رهين بتطوير خدمات الصحة والتعليم والبنى التحتية.
ذلك أن لفيفا من المواطنين يلحقون أبناءهم بالمدارس الأجنبية الخاصة، لعدم اعترافهم أو ثقتهم في مستوى التعليم الحكومي، وهنالك 1428 سافروا عام 2011 من دبي لتلقي العلاج في الخارج، بلغت نفقاتهم وكلفة علاجهم 303 ملايين درهم، غالبيتهم اتجهوا نحو ألمانيا بنسبة 43.1 ٪، تليها تايلاند بنسبة 30.9 ٪، ثم بريطانيا بنسبة 4 ٪، تليها الهند والولايات المتحدة الأميركية وسنغافورا، وبلغت تكلفة المريض الواحد نحو 212 ألف درهم!
ومع قناعتنا بأن حالات كثيرة كان بالإمكان علاجها في الداخل، إلا أن عدم ثقة بعض المواطنين في جدوى العلاج في الداخل، يقف وراء سفرهم لتلقي العلاج خارج الدولة، حيث أصبحت "فوبيا" وهوسا نفسيا أكثر منها حاجة مرضية.
وحاليا تعمل هيئة الصحة في دبي، بالتعاون مع مركز دبي للإحصاء، للوقوف على قضايا المرض والمرضى، حيث أوضحت نتائج المسح الذي أجري لمعرفة دواعي العلاج خارج الدولة، ضرورة الارتقاء بالخدمات الصحية والتوسع فيها.
وهنالك مطلب بتقليل فترة الانتظار للحصول على الخدمة وتلقي العلاج، حيث كشفت نتائج المسح أن 56 ٪ ممن شملهم، أوضحوا أنه لم تتوفر فرص علاج داخل الدولة، وأن 19 ٪ لم تتحسن أحوالهم الصحية عما كانت بعد عودتهم من رحلات علاج في الخارج.
أما قطاع التعليم، فالوضع فيه لا يختلف كثيرا، إلا من حيث الشكل والمظهر العام. ففي إمارة دبي بلغ عد طلاب المدارس الابتدائية والثانوية 230 ألف طالب، بينما بلغ عدد طلاب المراحل الدراسية العليا 43 ألفا حتى عام 2011. وبالطبع هنالك أعداد كبيرة من الطلاب المواطنين الذين يتسربون من مقاعد الدراسة، قبل نهاية المرحلة الابتدائية أو الثانوية، فيتم اعتبارهم فاقدا تربويا.
ولعله من الجدير بالذكر أن عدد المدارس الخاصة في معظم إمارات الدولة يزيد عن عدد المدارس الحكومية، إذ بلغ 88 ٪ من إجمالي مدارس دبي، حسب تقرير دبي الاستثماري لعام 2012، حيث يدرس نحو 207500 طالب في 148 مدرسة خاصة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، ومعظم هذه المدارس يتبع المنهج البريطاني أو الأميركي أو الهندي، لأن الوافدين يفضلون إلحاق أبنائهم بالمدارس التي تتوافق مع ثقافة مجتمعاتهم التي سيعودون إليها، وليست ثقافة المجتمعات التي يعيشون فيها، كما أن بعض الآباء المواطنين أصبحوا أكثر ميلاً للمدارس التي تمكن أبناءهم من إجادة اللغة الإنجليزية.
ومن هنا يلاحظ أن المدارس الحكومية الخاصة بالمواطنين، لم تستقطب أكثر من 43 ٪ من الطلاب، رغم مجانية التعليم والجهود التي يبذلها القائمون على العملية التعليمية.
نخرج مما تقدم بأننا في حاجة ماسة إلى تطوير وتحسين مدخلات ومخرجات التعليم والخدمات الصحية لترتقي للمستويات العالمية، وبالطبع فإن ذلك يحتاج لمضاعفة الجهود المبذولة، وقد يتطلب سنوات أخرى.. عندها يمكن أن يقفز ويتحسن موقعنا في تقرير التنمية البشرية الدولي للسنوات القادمة.