بين التوطين والتمكين علاقة يراها البعض شبيهة بتلك العلاقة الأزلية الملتبسة بين البيضة والدجاجة، وأيهما قبل الآخر، بينما يراها البعض الآخر شبيهة بتلك العلاقة بين العربة والحصان، وأيهما يُفتَرض أن يكون أمام الآخر.
وكي لا نلقي الكلام على عواهنه، كما يقول المثل، فنحن لا نتحدث عن مرحلة تأسيس الدولة التي لها خصوصيتها وظروفها التي لا تخفى على أحد، ولا نختلف حولها، وإنما نتحدث عن مرحلة قطعت الدولة خلالها أكثر من أربعة عقود من الزمن، كان أهم ملامحها وأهدافها، هو إعداد مواطنيها لتسلم زمام الأمور والقيام بمسؤولية البناء، واحتلال أماكنهم في مؤسسات الدولة ومواقع العمل المختلفة، لأنه ما من دولة في العالم يتمنى القائمون عليها أن تظل مراكز القرار ومواقع العمل فيها بأيدي غير أبنائها، لأسباب كثيرة، على رأسها أمنها القومي، والمحافظة على ثرواتها ومقدراتها، وصناعة المستقبل الذي يعمل الجميع على تأمينه وبقائه في أيدي أبناء الوطن.
لا ينكر إلا مكابر، أنه في إطار هذه القواعد والمحددات المتفق عليها، عملت دولة الإمارات خلال العقود الأربعة الماضية، على تأهيل أبنائها لتولي مسؤولياتهم في المواقع المختلفة، فوفرت لهم التعليم بمختلف مراحله، وأنشأت لهم المدارس والجامعات والكليات والمعاهد بأنواعها ودرجاتها المختلفة، وأرسلت أعداداً كبيرة منهم إلى الخارج لتلقي علومهم في أرقى الجامعات العالمية، وفقاً لمعايير معينة، تلبي حاجة الوطن من التخصصات المختلفة، وتتوافق مع الرؤية المتقدمة التي تتمتع بها قيادته الحكيمة التي تخطط لرفعته، وتسعى إلى نهضته وتقدمه.
ولا ينكر إلا مكابر أيضاً، أن الكثير من مؤسسات الدولة، الاتحادية والمحلية، قد حققت نسب توطين عالية، بلغ بعضها 100٪ وفقاً لما تطالعنا به هذه المؤسسات عبر وسائل الإعلام، وما تقدمه لنا من نسب وأرقام، لا نعتقد أن بإمكان أحد، ولا من مصلحته، أن يشكك فيها، لأنه من السهل جداً اكتشاف حقيقتها، إذا ما أراد أحد اكتشاف هذه الحقيقة، أو سعى إلى البحث عنها، أو أراد التأكد منها.
نحن هنا إذن، ليس بغرض التقليل من المنجز، أو التشكيك في الأرقام، وإنما بغرض المراجعة التي هي مطلوبة في كل وقت، كي نتأكد من أننا في المسار الصحيح، خاصة في ظل الدعوات المتكررة من قيادات الوطن إلى التوطين والتمكين، باعتبارهما أهم أهداف هذه المرحلة والمراحل المقبلة من مسيرة دولتنا، التي تسعى إلى أن تكون من أفضل دول العالم بحلول عام 2022 الذي يصادف الاحتفال بمرور 50 عاماً على تأسيسها، حيث تتضمن "رؤية الإمارات 2021" أربعة عناصر رئيسية، تشمل الأهداف التفصيلية المتعلقة بالهوية الوطنية والاقتصاد والتعليم والصحة، وتسعى إلى تأسيس شعب طموح واثق ومتمسك بتراثه، واتحاد قوي يجمعه المصير المشترك، واقتصاد تنافسي بقيادة إماراتيين يتميزون بالإبداع والمعرفة، وجودة حياة عالية في بيئة معطاءة مستدامة.
في ظل هذه الرؤية الطموحة والواضحة، وفي ظل الدعوات المتكررة من قادة الوطن إلى التوطين والتمكين، تصبح هذه المراجعة ضرورية. وأهم بنود هذه المراجعة قراءة الأرقام، التي تعطينا مؤشرات مهمة عن سير عملية التوطين والتمكين التي نتحدث عنها.
ولعل "معارض التوظيف" التي تقام في مختلف إمارات الدولة، وتنشط هذه الأيام، تعطينا بعض هذه المؤشرات التي نبحث عنها. ففي معرض "توظيف أبوظبي 2013"، الذي أقيم خلال الفترة من 29 إلى 31 يناير الماضي، استقطب المعرض نحو 15 ألفاً و752 مواطناً ومواطنة، بارتفاع نسبته 35٪ عن دورة العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة "إنفورما للمعارض" المنظمة للحدث.
هذه الزيادة في نسبة المواطنين الباحثين عن عمل الذين استقطبهم المعرض، لها أكثر من دلالة، ومن المفيد جداً البحث عن هذه الدلالات، بإيجابياتها وسلبياتها، لمعرفة ما إذا كانت عملية التوطين ماضية في المسار الصحيح.
ويبقى ما هو أهم من التوطين، وهو التمكين الذي تسعى إليه قيادتنا الحكيمة أيضاً، ذلك أن بعض أرقام ونسب التوطين التي تعلن عنها بعض الجهات، تعطي انطباعات خاطئة، ولا نريد أن نقول مضللة، عن مسار التوطين الذي نتحدث عنه، لأن عملية التوطين تحدث أحياناً في المستويات المتوسطة والدنيا غير ذات القرار، بينما تبقى المستويات العليا المتحكمة في القرار، محتلة من قبل غير مواطنين، بعضهم للأسف لا يتمتعون بالكفاءة ولا المعرفة ولا الخبرة التي تؤهلهم لاحتلال هذه المراكز، لكنهم يتمتعون بالثقة التي يضعها فيهم بعض المسؤولين.
وهنا تكون الكارثة، حيث تسعى هذه الفئة إلى تهميش المواطن، وعدم منحه الفرصة للترقي والوصول إلى الوظائف العليا، خشية أن يأخذ هذا المواطن مكانه، رغم أن هذا هو الوضع الطبيعي الذي يجب أن نصل إليه في يوم من الأيام، بحلول عام 2021 أو قبله، وليس في ذلك ما يمكن أن يعيب، أو يصمنا بتهمة العنصرية التي يحاول البعض إلحاقها بنا.
التمكين، في رأينا، أهم من التوطين في هذه المرحلة بالذات، لأنه ما لم تكتمل مرحلة التمكين، فإن مرحلة التوطين ستظل غير مكتملة، وسنظل نراوح في أماكننا، أو بتعبير أدق، سنظل نضع العربة أمام الحصان، وليس الحصان أمام العربة، كما يقتضي العقل والمنطق.