آراء وتيارات فكرية عديدة تموج في مجتمعنا، بعضها يثير الفزع فينا حال تذكره، خاصة تلك التي تتعلق بمصيرنا وصيرورتنا وتلاحمنا الاجتماعي، والبعض الآخر يبعث فينا الأمل بحياة جديدة وعلاقات إنسانية صافية لا غبار عليها. تيارات أخرى بعضها ينشد الانفتاح غير المقنن، وبعضها ينشد الأصولية الفكرية والعقائدية، والبعض الآخر لا حدود لتطلعاته وتوقعاته التي تخص المجتمع والدين والدولة.

من بين كل تلك التيارات يبرز تيار واحد يتعلق به، ليس فقط مصيرنا وحياتنا، بل ومصير وحياة جميع من يسكن معنا في هذا المجتمع ويشاركنا همومنا وأحلامنا. هذا التيار هو الوسطية، والتي يحتفل بها مجتمعنا كتيار فكري ومنهج عمل وأسلوب حياة، يجب أن يتبناه الجميع.

أسباب كثيرة تدعونا لتبني هذا التيار، والإصرار عليه كمنهج عمل وأسلوب حياة، وشعار نرفعه في وجه جميع التيارات الأخرى، التي تهدف إلى تحجيمنا ورمينا في مكان منزوٍ وقصي. من هذه الأسباب ما هو ديني، وما هو سياسي واجتماعي، وما هو ديمغرافي سكاني.

إصرار قيادتنا على الإشارة إلى هذا التوجه في كل مناسبة وفي كل محفل، ليس خافياً على أحد، كونه ليس توجهاً جديداً للدولة، بل توجه تبنته الدولة منذ قيامها، وأساس من الأسس المتينة التي قام عليها الاتحاد. فالراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لم يترك مناسبة تمر دون الإشارة إلى الوسطية والاعتدال، كتوجه يحكم سياسة الدولة في الداخل والخارج.

وقد سار على النهج نفسه خلفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله. فلم يترك مناسبة إلا وأكد فيها سياسة الدولة القائمة والمبنية على الوسطية، وفتح باب الحوار مع الآخر، حتى المختلف عنا. إذاً، فدولة الإمارات دولة تنشد الوسطية وتحث عليها، لأن هذا التوجه يحمي مصالحها العليا ويحافظ على منجزاتها.

أسباب عديدة تدفع الإمارات لتبني المنهج الوسطي. فدينياً، دعانا القرآن في مواضع عديدة لتبني المنهج الوسطى، حيث إننا أمة وسط لا مكان فيها للغلو والتطرف والتعصب، ولا للانفتاح غير المشروط ولا المقيد بحدود عقلانية.

سياسياً، من مصلحتنا أن ننهج الوسطية والاعتدال، لأننا نعيش في وسط علينا أن لا نميل فيه إلى أي من التيارات السياسية أو الفكرية أو الدينية السائدة والرائجة في محيطنا العربي والإقليمي.

وذلك حتى نحافظ على المعادلة الصعبة والتوازن السياسي في ذلك المحيط المتصل بنا والملتصق بعالمنا. اقتصادياً، نحن في حاجة إلى منهج الوسطية، كوننا نتعامل مع شعوب وأمم نحن في حاجة لها وهي في حاجة لنا. اجتماعياً، نحن في حاجة لتبني منهج الوسطية الذي يحمي تلاحمنا ووحدتنا الاجتماعية، ويقينا من خطر التشرذم والفرقة.

ديمغرافياً، فطبيعة مجتمعنا توجب علينا أن نتبنى الوسطية، لأننا نعيش في مجتمع تعددي متنوع، تعيش فيه مئات الأعراق والديانات والخلفيات العرقية والإثنية، لذا فلا بديل في هذا المحيط عن الوسطية التي تقينا وتقي مجتمعنا من أضرار سياسية كثيرة. أخلاقياً، لقد تربينا دوماً على أمثلة وقيم أخلاقية معينة، تنبذ العنف وتدين التطرف، وتعمد إلى الاحتفال بقيم مجتمعية مستمدة أصولها من قيم الوسطية.

لهذه الأسباب مجتمعة، نرى مجتمعنا ينحو منحى الوسطية، ويحتفل بها كأهم قيمة توارثناها عن آبائنا وأجدادنا، وقيمة نحلم بتوريثها يوماً ما لأبنائنا وللأجيال القادمة.

من كل ما سبق ذكره، يتبين لنا أن الوسطية في مجتمعنا ليست قيمة جديدة أو منهجاً حديثاً انتهجناه، بل هي قيمة قديمة ورّثها لنا الأجداد، ومنهج خطه لنا الآباء المؤسسون.

لذا فمن يحاول اليوم أن يطمس ذلك الواقع وتلك الحقيقة ويغيّر وجه التاريخ، من المؤكد أن محاولته تلك هي محاولة فاشلة، لأنها لا تقوم على الواقع المعاش، ولا تراعي الأسس التاريخية والقيمية التي قام عليها مجتمعنا منذ الأزل. فمجتمعنا كان مجتمعاً رعوياً وتجارياً، ولم يعرف يوماً في تاريخه الطوائف أو الفروقات التي يحاول اليوم جرنا إليها بعض التيارات المتطرفة.

لذا يجب علينا الحذر والتيقظ عند تناول وتحليل أجندة وفكر تلك التيارات بالدراسة والتحليل، باعتبارها تيارات ليست فقط دخيلة على مجتمعنا، بل تيارات تنشد الفرقة والشقاق وإدخال قيم غريبة ومستوردة على مجتمعنا.

حديث قيادتنا عن الوسطية والاعتدال، وعن نبذ العنف والتطرف باعتبارهما من قيم غير إنسانية وغير لائقة، لأننا نتشارك مع القيادة في هم واحد وشأن مجتمعي واحد، ألا وهو إعلاء القيم المجتمعية السوية، وترسيخها في نفوس الأجيال الجديدة المعرضة أكثر من غيرها لخطر التيارات الفكرية غير السوية.

والتي تهدف إلى غسل الدماغ وحشوه بأفكار خطيرة وهدامة. كل تصريح لقيادتنا عن الاعتدال والوسطية، هو تأكيد لمنهج الإمارات القائم على القيم السوية والسلام ونبذ العنف، وفتح باب الحوار مع الآخر.

إن من يحاول اليوم شق صفوفنا وإدخال قيم غريبة كالتطرف والعنف في مجتمعنا، مصيره الفشل واليأس، ذلك أن مجتمعنا محصن بقيم عدة هي التي سوف تعمل كضمان يقي المجتمع من تأثيرات تلك الأفكار الهدامة.

فالوعي المجتمعي في تزايد، والوعي بتأثيرات تلك التيارات الهدامة في تزايد أيضاً. ولا شك أن ذلك الوعي وذلك الحب والاحترام المتبادل بين القيادة والشعب، هو صمام الأمان الأكيد.