لم يعد جديداً الحديث عن غياب الرؤية أو انعدام الكفاءة في حكم الإخوان، الذي يقود مصر نحو الكارثة. لكن الخطير الآن هو أنه مع تفاقم الأوضاع، فإننا نجد حالة من التخبط في مواقف الحكم، لا تساهم فقط في اقتراب انهيار هذا الحكم، ولكنها تجعل التكلفة التي تدفعها مصر لهذا السقوط باهظة.
كان التقدير أن حكم القضاء بإلغاء انتخابات البرلمان سوف يوفر فرصة نادرة لمحاولة الخروج من الأزمة، خاصة بعد إعلان رئاسة الجمهورية أنها ستنفذ الحكم ولن تطعن عليه، وهو الإعلان الذي تم التراجع عنه كالعادة، في محاولة لاستباق الزمن وعقد الانتخابات في ظل حكومة الإخوان، واستخدام كل وسائل الضغط والتزوير للفوز بها.
بين قرار الرئاسة والعودة عنه، كما هو الحال في كل القرارات الرئاسية، شهدت مصر أياماً صعبة، مع تمرد رجال الشرطة ورفضهم أن يكونوا أداة للصراع السياسي، ومع صدور الحكم في قضية مذبحة بورسعيد وما صاحبه من أعمال عنف، ومع خطوة غريبة من النائب العام الإخواني، المعين بقرار مطعون ببطلانه، حيث دعا المواطنين للتصدي لمن يرون أنهم يخرجون على القانون والقبض عليهم!
وهو القرار الذي تم تفسيره بأنه دعوة لإضفاء الشرعية على ميليشيات الجماعات الإسلامية، التي خرجت على الفور تعلن أنها ستتولى مسؤولية الأمن في العديد من المحافظات، وهو الأمر الذي وضع مصر على حافة حرب ميليشيات، لولا أن الجيش تصدى لذلك بحسم، وأنذر الرئاسة بأنه لن يسمح بذلك.
حالة التخبط الواضحة، تكشف عن صراع يدور داخل جماعة "الإخوان" نفسها، حول سبل الخروج من أزمتها. فهناك فريق يرى ضرورة الاستمرار في النهج الذي سارت عليه، واستكمال الهيمنة على مفاصل الدولة، ويرون أن استكمال سيطرتهم على مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، سوف يمنح الإدارة الأميركية المبرر لزيادة دعمها لحكم الإخوان.
وهناك فريق آخر داخل الجماعة، يرى أن سياسة الاستحواذ التي تم اتباعها قد فشلت، وجعلتهم بلا حلفاء حتى من داخل الجماعات الإسلامية، وأنه لا حل إلا بالعودة للحوار مع باقي القوى الوطنية، وبناء شراكة سياسية تنقذ البلاد قبل وقوع الكارثة.. لكن هذا الفريق هو الأضعف داخل الجماعة.
خذ، على سبيل المثال، قضية الحكومة التي لا يختلف أحد على أنها واحدة من أضعف الحكومات في تاريخ مصر، ومع ذلك كانت الرئاسة والجماعة تتمسكان بالحكومة التي يتحكم الإخوان في كل وزاراتها التي تساعدهم في الانتخابات. وكان المبرر المرفوض من الجميع، أن الوقت قصير لتأليف حكومة جديدة. ثم جاء الحكم بوقف الانتخابات، وهو ما يعني أن أمامنا خمسة أو ستة شهور حتى نفكر في موعد جديد للانتخابات، فإذا بالرئاسة والجماعة تعلنان التمسك بالحكومة الفاشلة.
ثم تطور الأمر من جانب بعض مستشاري الرئيس، للحديث عن حكومة إنقاذ كانت مرفوضة تماماً قبل أسبوع واحد.
ولا شك أن تدهور الأوضاع والاقتراب من نقطة الانهيار، كان وراء هذه التحولات. يضاف إليها موقف أميركي بأنه لا مساعدات اقتصادية جديدة في ظل هذه الأوضاع، ومن دون التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وهو اتفاق أصبح مرهوناً من جانب الصندوق، بموافقة برلمان يمثل كل التيارات، وباستقرار سياسي وأمني غير متوفرين الآن.
في ظل هذه الأوضاع، يتخذ الجيش موقفاً بالغ الأهمية. فمع ازدياد التأييد له واستعادته لجزء كبير من هيبته ومكانته لدى المواطن العادي، بعد أخطاء المجلس العسكري السابق، تراقب قيادة الجيش الدعوات المتصاعدة له بالتدخل، وحملة عمل التوكيلات الرسمية له من المواطنين.
ورغم أن قيادة الجيش تعيد التأكيد مراراً على أنها لن تتدخل في الصراعات السياسية الدائرة، إلا أنها تترك حملة التوكيلات تمضي في طريقها، وترسل التأكيدات على أنها مع عدم رغبتها في تكرار تجربة الحكم، إلا أنها لن تترك البلاد تسقط في الفوضى.
وأظن أن حديث الحكم الإخواني الآن عن إمكانية تغيير الحكومة، فيه جانب كبير من المناورة لشق صف المعارضة، وإغراء البعض بالمشاركة في الحكومة وأخذ نصيب من مقاعد البرلمان.. جانب كبير من المعارضة الوطنية (ومعها شباب الثورة) يدركون ذلك، ويبنون موقفهم على أن المطلوب هو إنقاذ مصر، وليس إنقاذ حكم الإخوان.. وأنهم ليسوا مستعدين لتحمل المسؤولية عن كارثة لم يصنعوها.
وعلى عكس التوجه الأميركي الذي يسعى لإقناع بعض القوى التي تصف نفسها بالليبرالية، لكي تشارك في دعم حكم الإخوان، مع أخذ نصيبها من السلطة، فإن المعارضة الحقيقية التي تمثل القوى الوطنية بمختلف تياراتها (بما فيها العديد من القوى الإسلامية)، تطرح طريقاً آخر للإنقاذ، يمر أيضاً عبر "صندوق الانتخاب" الذي يعلن الإخوان الآن تمسكهم به إلى آخر مدى. وذلك عبر انتخابات رئاسية مبكرة، وانتخابات برلمانية توضع لها الضمانات الكافية لنزاهتها.
ويبقى الموقف قابلاً لكل الاحتمالات؛ فالجيش يضغط لتجنب الفوضى والحرب الأهلية التي سيكون عليه وحده أن يواجهها.. والإخوان يناورون لكسب الوقت واستمرار الدعم الأميركي والحصول على المعونات الاقتصادية التي تمنع انهيار حكمهم.. والمعارضة الوطنية فقدت أي ثقة في الحكم.
ويبقى الشارع خارج كل الحسابات، هل يسير إلى طريق الفوضى كما يتوقع البعض أو يخطط؟ أم يسير في طريق الأمل الذي بدأ على مدخل قناة السويس في مدينة بورسعيد، التي أعلنت العصيان المدني وجسدت تجربة دفعت ثمنها غالياً من دماء الشهداء، ولكنها جددت الثورة وأعادت الجيش المصري إلي المشهد بالصورة الطبيعية له حامياً للشعب؟!
مع كل التقدير للعوامل الداخلية والخارجية، ومع الأخذ في الاعتبار كل المخاطر التي تتعرض لها مصر، وكل المناورات السياسية التي تجري على الساحة، أظن أن ما بدأ عفوياً في مدينة بورسعيد، لن ينتهي إلا باستعادة الثورة لأصحابها.. أو الطوفان.