مما يؤسف له أنه، وبعد مرور عشر سنوات على إسقاط النظام السابق عام 2003 في العراق، لا تزال العقلية السياسية للنخب الحاكمة التي جاءت بصناديق الاقتراع، والكتل السياسية المنضوية تحت راية التحالف الوطني، بعيدة عن إدراك واقع الحال في البلد الذي تحكمه.

ولا تزال بعيدة كذلك عن إدراك ما هو ممكن في الساحتين الإقليمية والدولية، في أطر التوازنات القائمة. فإصرار التحالف الوطني على التمسك باستراتيجية التحالف مع طرف لتحييد طرف ثالث أو إضعافه أو تهميشه، ليس خيارا وطنيا على الإطلاق، وإنما خيار يزيد من تفكك المجتمع العراقي، ويدفعه نحو المزيد من العنف، وهو كذلك ليس الخيار الأفضل لمن يدعي هذا التحالف تمثيله.

لن نتطرق في هذه المقالة إلى العلاقات الشيعية الكردية، التي شهدت الكثير من الإشكالات عبر التاريخ، في العراق وفي إيران، والتي لا تزال تطل برأسها بين الحين والحين، عندما يعتلي المنبر الخطابي بعض من ينتمي للتحالف الوطني ليعيد للأذهان بعض الترهات التي أكل الدهر عليها وشرب، بل سوف نقتصر في حديثنا عن الحلف الشيعي الكردي للفترة التي تسيد فيها هذا الحلف العملية السياسية منذ عام 2003، ممثلا بالتحالف الوطني والتحالف الكردستاني، اللذين لعبا الدور الأكبر في وضع ملامح العملية السياسية وصياغة الدستور المعمول به حاليا.

بدأت معالم التفكك تدب في جسد هذا الحلف منذ العام 2005، بسبب تباين الرؤى، وانعدام الأهداف المشتركة، وغموض النوايا، واعتماد ممارسات لا تتفق مع الآليات المتعارف عليها في الأنظمة الديمقراطية.

وقد وصل هذا التفكك أقصى درجاته مؤخرا، مما ترك آثاراً سلبية على خطط وأهداف الطرفين معا، إلا أن التحالف الوطني قد أصبح المتضرر الأكبر من جرائه، بسبب التغيرات المهمة التي تشهدها الساحة السياسية إقليميا ومحليا، واحتمال لجوء الكرد إلى عقد تحالفات مع أطراف أخرى، تضعف من فرص التحالف الوطني في الحفاظ على موقعه في قيادة العملية السياسية، وهو ما بدأ يشكل هاجسا يؤرق هذا التحالف، ويدفعه لمواجهة مهمة إعادة إحياء تحالفه مع الكرد.

تسربت إلى الإعلام في الآونة الأخيرة معلومات تفيد بوجود جهود حثيثة، يقوم بها التحالف الوطني لرأب الصدع مع الكرد الذي وصل إلى حد الأزمة. وليس من باب الصدفة أن تأتي هذه المحاولات في هذا الوقت بالذات، حيث تصاعدت أزمة الحكومة، وبالتالي أزمة التحالف الوطني الذي يحتضنها، مع المحافظات الغربية التي وصلت حدا خطيرا لم يشهده العراق منذ سقوط النظام السابق عام 2003.

إذ لا تزال التظاهرات والاحتجاجات في المنطقة الغربية مستمرة منذ أكثر من شهرين، مما وضع الحكومة لأول مرة أمام خيارات صعبة، لا تجد نفسها في وضع القادر على مواجهتها، سيما أنها فقدت معظم حلفائها خارج التحالف الوطني، ودخلت في خلافات مع بعض كتل التحالف نفسه، في الوقت الذي تعاني فيه من برود في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

الجهود تتركز حول إقناع الكرد بالعودة إلى تحالفهم مع الشيعة، مقابل استعداد التحالف الوطني لإبداء قدر كبير من المرونة في تعامله مع المشاكل العالقة بين المركز والإقليم، والتي تتلخص في خمسة محاور هي: قانون النفط والغاز، المادة 140 من الدستور الخاصة بمدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها، مستحقات الشركات النفطية الأجنبية العاملة في الإقليم، قيادة عمليات دجلة، مستقبل قوات البشمرجة ووضعها القانوني ومستحقاتها المالية.

وقد طرح ذلك وفد من دولة القانون قام بزيارة أربيل وقابل رئيس الإقليم، علما بأن هذه الزيارة وما يحيط بها لم يعلن عنها من قبل الحكومة.

ولنا أن نتساءل في سياق التغير المفاجئ في الموقف الحكومي وموقف التحالف الوطني، عن مدى دستورية الصفقة التي يرمي التحالف الوطني إلى عرضها على الكرد، حيث يستوقفنا أمر على قدر كبير من الأهمية، عما إن كان ما تعرضه الحكومة هو دستوري من حق الكرد الحصول عليه أم أنه غير ذلك؟ وإذا كان دستوريا فلم عمدت الحكومة إلى المماطلة في تنفيذه طيلة الفترة السابقة وأدخلت البلد في سلسلة من الأزمات؟ وإن لم يكن كذلك فكيف لها أن تخالف الدستور؟!

في ضوء الظروف التي يمر بها العراق، لا مفر من أن نذكر بأن التغير في الموقف الحكومي يهدف بالدرجة الرئيسية إلى تحقيق ثلاثة أهداف جوهرية: أولها تقوية مركز الحكومة التي أصابها الوهن جراء التحديات التي تواجهها في المنطقة الغربية، وثانيها ضمان بقاء التحالف الوطني في موقع القائد للعملية السياسية.

وبقاء شخص المالكي لدورة رئاسية ثالثة لمقابلة التحدي الذي يواجهه، خاصة بعد صدور قرار مجلس النواب بتحديد الرئاسات الثلاث بدورتين انتخابيتين فقط. أما ثالثها فهو إصلاح العلاقة المتردية مع الولايات المتحدة، فالحكومة تدرك أن أحد مفاتيح ذلك يكمن في المصالحة مع رئيس الإقليم، الذي لديه علاقات ودية مع مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ومع الرئيس أوباما بالذات.

نظرة فاحصة إلى الحلف الشيعي الكردي، الحلف بين الأحزاب الشيعية وبين الحزبين الكرديين الرئيسيين، تكشف حقيقة أن هذا الحلف لم يرق في أي وقت إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، إذ لا وجود لمشتركات مصيرية بينهما من جهة، كما لم تعد لهما أهداف مشتركة ذات طابع استراتيجي في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق من جهة أخرى.

فقد شهدنا خلال سنوات حكم حزب الدعوة، الذي يتصدر الأحزاب الشيعية تحت قيادة الجعفري لسنة واحدة، ثم تحت قيادة المالكي لسبع سنوات أخرى، أن هذا الحلف كان ذا طابع تكتيكي للحصول على مواقع صنع القرار، وكان لا بد لأهدافهما المتباينة أن تتضارب فيما بعد، فقد كان الكرد هم من أسقط إبراهيم الجعفري، وهم من يشكلون الخطر الأكبر الذي يواجهه المالكي.

إن فرص النجاح للجهود التي يبذلها التحالف الوطني لإحياء الحلف مع الكرد، تبدو ضئيلة في ضوء المتغيرات التي تشهدها الساحتان المحلية والإقليمية من جانب، وفي ضوء تجذر أجواء عدم الثقة بوعود رئيس الوزراء وحزبه من جانب آخر.