تتمثل الثروة الحقيقية لأي أمة في أبنائها، لأنها متجددة لا تنضب، وهي من أغلى الثروات التي تمتلكها الأوطان، والاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الوطن، ومن أراد أن يستشرف مستقبل أمة من الأمم عليه أن ينظر إلى واقع أبنائها، وما يزرعه الآباء ومؤسسات الدولة فيهم من قيم ومرتكزات فكرية ومفاهيم سلوكية، لأن من يزرع العنب لا يجني الحنظل، ومن يزرع الحنظل لا يجني إلا الشوك.
لذلك فإن حالة الاشتباك الوطني التي قام بها مجلس أبوظبي للتعليم، عبر برنامج "فواصل" العالمي للوقاية من الإدمان، والذي ثبت نجاحه في العديد من الدول، والتي تستمر خلال هذا الشهر بداية بست مدارس حكومية، تتم زيارتها ميدانيا من قبل مدربي البرنامج، تستحق التعميم.
وما يستحق التوقف عنده في هذا البرنامج، هو أنه شامل ومتعدد الوسائل، فهو وقائي عبر توعية الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية في المدارس بطرق اكتشاف المدمن من خلال تصرفاته، وفي هذا تفعيل للدور التربوي المتكامل للمدرسة، التي يقضي فيها الطالب من الوقت ما يزيد على ما يقضيه في بيته، إضافة إلى توعية أولياء الأمور.
ويأتي هنا دور أهم مؤسسة اجتماعية، وهي الأسرة التي لا ينبغي أن يقتصر دورها على تلبية احتياجات الأبناء المادية، ولكن تعظيم دورها القيمي الذي يخرج للمجتمع مواطنا لائقا من ناحية الصحة النفسية، لا يقل عن دورها في رعايته بدنيا.
وما يستحق التوقف عنده كذلك، أن معظم مدربي البرنامج من أبناء الإمارات، وفي هذا أهمية كبيرة من الناحية النفسية، ذلك أن حالات الاتصال الإقناعي تستوجب دائما أن يكون الموجه شبيها بمن يوجهه ويرشده، ومن نفس بيئته ويحمل ذات القيم، وهو ما يجعل الاتصال أكثر فاعلية، لذا فإن الإقدام على تطويع المادة العلمية للبرنامج بما يتناسب مع ثقافة أبناء الإمارات، من شأنه تعظيم النتائج المتوقعة.
كما أن اختيار الفئة العمرية من 11 إلى 13 سنة هي من الأهمية بمكان، لأن الفئة المستهدفة من تجار السموم والإدمان تبدأ غالبا من سن 16، وهو ما يوجب على مؤسساتنا كافة القيام بضربات استباقية لحماية أبنائنا ممن لا يريد لوطننا الخير، في زمن تتعدد فيه أشكال المواجهة في معارك تقليدية على جبهات القتال، والخصم فيها محدد وسلاحه معروف ومواجهته هي الأكثر والأشرس وتتطلب يقظة دائمة وجهدا لا ينقطع، والخصم فيها يستهدف أثمن ما في الوطن وهو أبناؤه، وهو ما يتطلب تقوية البناء الذاتي لأبنائنا، وصقل قدراتهم على الانتقاء وإدراك ما يضرهم ولا ينفعهم، عبر التمييز بين ما هو صالح وطالح، دون الاكتفاء بقوة الردع القانوني وحدها.
إن من يستهدف شباب الوطن يقضي على أمله ويخرب مستقبله، فكيف بنا ونحن نحتاج إلى يقظة كل فرد من أبناء الوطن وتجميع كافة طاقاته لبناء وطنه واستكمال مسيرة نهضته؟ هل ننتظر ذلك ممن اختار أن يغيب عن واقعه؟!
كما أن مواجهة المخدرات ليست معركة مكافحة سلوك مرفوض، يجرمه القانون وينكره المجتمع فحسب، ولكنها عملية استئصال من الجذور للعديد من القضايا المجتمعية الشائكة والنابعة من تعاطي المخدرات.
أليس تعاطي المخدرات وإدمانها أحد أسباب التفكك الأسري وما يعقبه من آثار اجتماعية تنسحب على أبناء فقدوا دفء التنشئة بين أب وأم بغير ذنب اقترفوه؟ هل نتوقع من أب يتعاطى المخدرات أن يكون صاحب كفاية في توجيه أبنائه، وهو لم يستطع أن يضبط إيقاع حياته فانحرف بها إلى طريق العودة منه تزداد صعوبة يوما بعد يوم؟ ثم أليس الولد ابن أبيه؟ كيف بالابن الذي ينشأ وهو يرى النموذج الذي يفترض فيه القدوة وهو يسلك هذا السلوك الشائن، فيجد نفسه بين خيارات جميعها مرة، فإما أن يقبل هو الآخر على فعل ما يقوم به أبوه من باب التقليد الذي يجره إلى شراك لا فكاك منه، وبذلك يكون الأب بسلوكه قد أضاف إلى نادي المتعاطين عضوا جديدا.
والخيار الثاني أن يفتقر إلى النموذج والقدوة وتنهار هيبة الوالد ويفقد تأثيره على أبنائه، ومن ثم تختل ثوابت الأسرة وتضاف أدوار إلى الأم كان أولى بالأب أن يقوم بها، مع ما يمثله ذلك من عبء نفسي يزيد من معاناتها.
كما أن دخول الشباب في دائرة التعاطي كمن يبدأ حياته في السير في الاتجاه المعاكس فيفقد الصحة النفسية، لأن التعاطي هو شكل من أشكال الانحراف النفسي، وأكبر مظاهر هذا الانحراف أن يقبل الفرد على ما يضره في دنياه ويفسد عليه آخرته. إن الدراسات النفسية تثبت أن الكثير من السلوكيات والانحراف السلوكي، تنتج عن تعاطي المخدرات.
وهنا ينبغي أن لا نقوم بعلاج الأعراض دون النظر إلى العلة الحقيقية، التي باستئصالها ينتهي العرض ويختفي كثير من الأمراض المجتمعية ،التي تكلف الأوطان الكثير في الحاضر والمستقبل.
ثم كيف يؤتمن من يتناول المخدرات على مصالح الناس، وهو لم يستطع أن يحافظ على نفسه وتخلى عن مسؤولياته الاجتماعية في القوامة على أسرته، وبدلا من أن يواجهها تعامل معها بالهروب منها وهو ما يزيدها تعقيدا؟
والمواجهة لها دائما وجهان، أولهما عبر تطبيق القانون على من يقع في براثن التعاطي والإدمان، وهو الطريق المعتاد، ولكن الأصعب هو المنهج الوقائي الذي يمنع من المنبع، عبر التوعية بخطورة الإقدام على هذا السلوك. وهذا يحتاج إلى جهد أكبر، وهو ما يقوم به المجلس الوطني، لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج.
وفي يقيني أن الخطوة الأولى لمواجهة المخدرات وإدمانها، هي التوعية بمخاطر التدخين، لأن الإدمان على التدخين يؤدي بصاحبه إلى تعاطي أنواع أخرى من باب التجريب، وما هي إلا مرات قليلة حتى يجد نفسه يسير مضطرا في طريق الندامة والحسرة، ولا يعود إلا بعد أن يكون قد فقد الكثير من قيمة وتقدير الآخرين له، فمعظم النار من مستصغر الشرر، والجبال الشاهقة من حبات الحصى.
فتحية لكل من يخطو خطوة أو يضع لبنة في الحفاظ على بناء وطننا شامخاً أبداً، ولو كره الحاقدون والمتربصون.