في لحظات التأمل الذاتي، ومن دون وجود أفراد من حولك، وخاصة في الليالي المقمرة التي يتم خلالها تسرب ضوء القمر الهادئ، مع مرور نسمات من الهواء العليل وسيادة الهدوء الجميل، يدور في ذهنك العديد من الأفكار، بعضها قد يعود إلى فترات زمنية بعيدة، ربما لفترات المراهقة والشباب وأحلام إمكانية تغيير العالم نحو عالم مثالي، أو ما لا يمكن تحقيقه في الواقع. قد تتذكر زملاءك في الدراسة الجامعية، وهي أحلى أيام العمر، حين كانت القاعات الدراسية هي المطبخ الذي يعدك للمستقبل، وخاصة على أيدي أساتذة ذوي مكانة علمية في مجال التخصص.
ومن حسن الطالع أن علم الاجتماع هو المظلة التي تشمل كل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وفيها أيضاً تلتقي بمجموعة من البشر من مختلف أرجاء المعمورة، سواء من دول الخليج العربي أو العالم العربي وربما من دول أجنبية.
ونتذكر أنواع النشاطات الثقافية المختلفة، سواء ما يتصل بالمسرح أو الغناء والمعارض وغيرها. وفي هذا المجال تكون هنالك النشاطات السياسية، مثل الندوات والمحاضرات وغيرها.
ولعل جامعة الكويت في فترة السبعينات من القرن الماضي، كانت منارة علم وحضارة وانفتاح قبل قدوم أصحاب الإسلام السياسي، الذي كان يفكر بوضع المتاريس أمام التعليم المختلط، وكأن الطلاب والطالبات وحوش لا تفكر إلا بالجنس، وهو من الثالوث المحرم حسب قول بعض الكتاب، ولا يدركون أن الإنسان تحكمه منظومة قيمية ذات أصول دينية، تحول دون تخطي المسموح به من العلاقات، وأن الفتاة من أشد المحافظين على الشرف وحماية العرض، فهي الضحية الأولى، لأن أخطاء الرجل أو زلاته مسكوت عنها تقليدياً.. أما هي فالموت لها إذا ارتكبت ذاك الخطأ.
في تلك الفترة كان عدد طلاب الإمارات من الجنسين يزيد على سبعين شخصاً، من مختلف إمارات الدولة، وبعض أولئك يحتلون الآن مناصب وزارية وإدارية عليا. ولا يزال بعضهم على علاقة وثيقة مع بعض، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تخرجهم من الجامعة. واستطاع بعضهم إتمام الدراسات العليا، سواء في جامعات أوروبية أو أميركية وغيرها، وأصبح بعضهم أساتذة في الجامعات يدرسون الطلاب كل في مجال تخصصه، وهنا تحول الطالب إلى أستاذ.
هذه المرحلة هي جزء مما خطر على البال في تلك الأمسية القمرية الباردة، وكأنني أهرب من الواقع إلى الماضي.
ومن جانب آخر، تتذكر الأشخاص الذين تربطك بهم علاقة أكثر من الصداقة، بل هم إخوان دنيا كما يقال، منهم من غادر هذه الدنيا إلى عالم آخر هو مصير كل إنسان، وهو الموت، وهم تحت رحمة الله، وآخرون لا يزالون على قيد الحياة، إلا أن مشاغل الحياة اليومية لم تترك لهم مجالاً للقاء أصدقاء الدراسة القدماء إلا في بعض المناسبات، وهما اثنتان لا ثالث لهما: العزاء والزواج. وهناك العمل العام أو التطوعي الذي يقوم به عدد قليل من أولئك، وربما تكون لديهم أسبابهم الذاتية أو الموضوعية.
وقد يكون يعتقد البعض أن نيل الدرجة العلمية هي نهاية المطاف، ويعلقها على جدران المجلس في برواز جميل، إلا أن الواقع يؤكد عكس ذلك، فالعطاء هو الاستمرار في خدمة المجتمع في العديد من المجالات، وفي هذا يحز في النفس غياب العديد من كتاب القصة، سواءً القصيرة أو الرواية، عن الساحة الثقافية.
في هذه اللحظة برز ومن دون مقدمات، ذلك الإنسان الرائع والنبيل، عبدالإله عبدالقادر ممن لا يزال يعمل على مدى زمني يزيد على أربعة عقود في مجال الثقافة، أتذكره وهو يمر الآن بوعكة صحية.. سوف يتخطاها (بإذن الله تعالى) كما هي عادته دائماً.
هو ذلك الإنسان الذي ألتقي به بشكل شبه يومي منذ ثلاثة عقود، منذ أيام اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وحالياً ضمن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، نتبادل الأخبار في مختلف أشكالها وأنواعها، صباحاً أو مساءً.
عبدالإله عبدالقادر هو الإنسان الذي ظل ولن يتغير محباً للإنسانية وللحياة، حنون كأب للجميع، وأخ يقدم كل ما يستطيع من عطاء للآخرين، تشعر حين تنظر إليه أن العالم كله لا يزال بخير، وأن سر وجود الإنسان هو العطاء وخدمة الإنسان من دون مقابل.. إنني على يقين أن أبناءه المسرحيين والكتاب والأدباء، ينتظرونه انتظار عودة الأب لأبنائه، فهو الشعلة التي تنير لهم الطريق.
دعاء من القلب لله تعالى أن يشفي عزيزنا مما أصابه من مرض، وحين ذاك تعود الأنوار لمن فقدها خلال هذه الفترة.