تتابع الأوساط الاقتصادية بكثير من الاهتمام، التدابير التي تتخذ لجعل دبي عاصمة العالم للاقتصاد والصيرفة الإسلامية، ذلك أن كل الدلائل وقرائن الأحوال تؤكد أن دبي، ولاعتبارات موضوعية، تمتلك كل الخصائص والمقومات التي تؤهلها لتعزيز موقع الاقتصاد الإسلامي في سياق النظام الاقتصادي العالمي، خصوصاً في وقت ما زالت تداعيات الأزمة العالمية تلقي فيه بظلال كثيفة طالت حتى البلدان الأوروبية، كاليونان وإسبانيا والبرتغال، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة الاقتصادية والأوضاع الاجتماعية في تلك الدول؛ كارتفاع معدلات التضخم والبطالة.

ويطرح مفهوم الاقتصاد الإسلامي نفسه بقوة على الصعد الإقليمية والدولية، كما تتزايد الحاجة إلى التعريف علمياً وفنياً بالأبعاد المختلفة للاقتصاد الإسلامي، بل وبلورته..

والأهم من ذلك أهمية إيضاح الفرق بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد التقليدي المعمول به والأكثر انتشاراً على مستوى العالم..

وكانت اللجنة العليا لتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي في دبي، قد تبادلت وجهات النظر على مدى الأشهر الستة الماضية، وتدارست خطط العمل وآليات التنفيذ للوصول لحلول متكاملة تساعد على إرساء قواعد متينة لكل مسارات الاقتصاد الإسلامي، التي تشتمل على عدة مجالات مثل: التمويل الإسلامي، وتحكيم العقود.

وقد دعت اللجنة لإنشاء مركز يتولى مهام تسوية المنازعات في شأن العقود الإسلامية، والتأمين الإسلامي، وسبل تطوير صناعة الأغذية الحلال، حيث يتم وضع الأسس التي تكفل تصنيع المنتجات الغذائية الحلال وتعبئتها وطرق نقلها ومن ثم تسويقها، خصوصاً في وقت تتزايد فيه حاجة الملايين من المسلمين الذين يعيشون أو يعملون في دول غير إسلامية، لمنتجات غذائية مصنعة وفق الضوابط والمعايير الشرعية. وقد يتطلب ذلك حماية المستهك المسلم من عمليات الغش التجاري، الذي يمارس من قبل جهات أجنبية تروج لمنتجات مغشوشة تكتب عليها عبارة "حلال".

أما عن معايير الجودة الإسلامية، ففيها سيتم وضع معايير إسلامية عالية الجودة تتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وبمستوى يجعلها تتفوق على معايير الجودة السارية الآن، حتى يسهل للمعاملات الاقتصادية الإسلامية بجميع أنماطها دخول مضمار التنافسية عن جدارة واستحقاق، في وقت ما زالت أغلبية دول العالم تعاني من مشكلات الركود الاقتصادي..

أما بالنسبة للمعايير الصناعية والاقتصادية، فسيتم تأسيس مركز مستقل يكون من مهامه التصديق على المنتجات المصنعة وفق المعايير الإسلامية المعتمدة.

ويلاحظ أن دولاً عدة استطاعت ابتكار معايير لضبط جودة المنتجات الصناعية الإسلامية كماليزيا. أما مجال الصيرفة الإسلامية فإنه سيهتم بالودائع وطرق استثمارها عن طريق المرابحة وغيرها..

وهي أهم ميادين نشاط الاقتصاد الإسلامي التي تضبط عمل المصارف الإسلامية. وفي إطار تطوير مضمار التمويل الإسلامي، تبذل الجهود للارتقاء بالصكوك الإسلامية ليتم إصدارها وإدراجها ضمن أسواق دبي المالية، لتتوافق مع أطروحات ومدلولات الشريعة الإسلامية الغراء، وفي ذلك ومن أجله ستتخذ كل الوسائل لجذب الشركات والأفراد والبنوك والمؤسسات النقدية المحلية والإقليمية والدولية الناشطة في كل مجالات الاقتصاد الإسلامي، لتتخذ من دبي مقراً لها.

وتشير كل الدلائل إلى أنه بحلول العام المقبل ستحتل الصيرفة الإسلامية موقعاً متقدماً داخل أروقة النظام المالي العالمي، ولا بد أن عبئاً كبيراً سيقع على الاقتصاد الإسلامي.

ولذلك فإن اللجنة العليا، والتي تضم كفاءات مرموقة من كل الجهات ذات العلاقة بالاقتصاد الإسلامي، يتعين عليها أن تعمل أولاً وقبل كل شيء على دراسة بعض التجارب الإقليمية والدولية، لتحاشي سلبياتها والاستفادة من إيجابياتها، بالإضافة إلى أهمية نشر مفهوم الاقتصاد الإسلامي ومنطلقاته الفكرية والعقائدية، وإيضاح الفرق بينه وبين الاقتصاد التقليدي الربحي، لأن هنالك جهات أجنبية تعمل على تشويه صورة الاقتصاد الإسلامي، بحجة تعدد مصادر المرجعيات الدينية الإسلامية، وعدم وجود مدرسة أو نظام اقتصادي إسلامي موحد ومتفق عليه في كل الدول الإسلامية..

أو القول إن التجربة السعودية تختلف من حيث الممارسة والتطبيق العملي، عن التجربة المصرية والماليزية أو السودانية والأردنية.

ومن هذا المنطلق فإن في وسع دبي أن تطرح رؤية مبتكرة وجاذبة، تتبنى "الوسطية" في نظم المعاملات، بعيداً عن النظرة التقليدية (الراديكالية) للاقتصاد في الإسلام، والتي لم توفق في إرساء دعائم لمفهوم يمكن أن نطلق عليه "اقتصاد إسلامي".