"في حياتي التقيت أصدقاء في مراكز، يقال عنهم سلبيون، فإن قلت لأحدهم: افعل هكذا، قال: لا ينفع.. ولا أقدر. وإن قلت له: الشمس مشرقة، رد: لا أراها. قابلت إخواناً أعزاء من هؤلاء الذين أثرت عليهم الطاقة السلبية، وغيّرْتُهم بآخرين من دم جديد، لأن التحديات قائمة كل يوم، والتغلب عليها يتطلب توفر الطاقة الإيجابية في الإنسان".
بهذه الكلمات لخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خلال محاضرته في القمة الحكومية، واحدة من أكبر القضايا الإدارية في العمل الحكومي على وجه الخصوص، وفي كل مرافق العمل وقطاعاته بشكل عام.
فهذه الروح السلبية شائعة ومنتشرة في الكثير من دوائر العمل، وهي المؤخر الأول والمعطل الأكبر المؤدي إلى تباطؤ عجلة الإنتاج، وفي كثير من الأحيان إلى توقفها عن الدوران، لأن هذه الروح سريعة الانتشار والعدوى، تتكاثر بطريقة الانقسام، تماماً مثلما يحدث في عالم البكتيريا عندما تنقسم الخلايا لتكوِّن خلايا أخرى، تنقسم هي الأخرى لتكوِّن خلايا أكثر.
يعرف الذين يتماسون مع قطاعات العمل المختلفة، أن هناك صنفين من الموظفين؛ صنف يملك طاقة إيجابية هائلة تجعل من المستحيل ممكناً، وتذلل كل الصعاب عندما يُطلب منهم إنجاز عمل ما، وصنف ثان يملك طاقة سلبية تجعل من الممكن مستحيلاً، وتضع المعوقات والمصاعب عندما يُطلب منهم إنجاز عمل ما.
فالطاقة الإيجابية هي التي تصنع الفرق بين الذين ينتجون وينجزون ويبدعون في عملهم، وبين أولئك الذين يتراخون وتقلّ أو تنعدم إنتاجيتهم في العمل، فيصبحون عبئاً على دوائرهم ومؤسساتهم وأماكن عملهم بشكل عام.
ما يجري في مجال العمل وقطاعاته المختلفة، ينطبق أيضاً على مجالات الحياة الأخرى، إذ كثيراً ما نقابل أناساً يملكون طاقة إيجابية تجعلهم ينظرون إلى الحياة بتفاؤل، رغم أنهم لا يعيشون حياة مثالية، كما يتصور البعض، ويعانون ظروفاً سيئة لا يحتملها بشر.
وعلى النقيض من هؤلاء تماماً، نقابل أناساً آخرين يعيشون حياة أقرب ما تكون إلى الرفاه والكمال، لكنهم ينظرون إلى الحياة من ثقب صغير، لا يكادون يرون من خلاله سوى نقطة سوداء في الأفق البعيد، متجاوزين ضوء الشمس الذي يملأ الكون، غير آبهين بألوان الورود التي يمرون بها قبل أن يصل نظرهم إلى تلك النقطة السوداء البعيدة.
الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كانت الطاقة، بشقيها الإيجابي والسلبي، فطرية أم مكتسبة؟ هذه قضية اختلف حولها المتخصصون في "علم الطاقة البشرية"، الذي كثر الحديث عنه في الآونة الأخيرة، وتعددت الكتب التي تُعنى به، وانتشرت الدورات والمحاضرات التي تقام له، والسبب كما يقول المهتمون بهذا العلم، هو ما يقدمه للإنسان من معلومات تساعد على استكشاف مكامن الطاقة داخل النفس البشرية، وجعل الإنسان يتصالح مع نفسه، ومع ظروفه مهما قست، ويعلمه طرق السيطرة على المشاعر السلبية التي تنتاب الكثير من الناس، بسبب ضغوط الحياة الكبيرة والكثيرة، حيث يهتم هذا العلم بقوى الإنسان الداخلية، وقوة العقل الباطن، مركزاً على التفكير الإيجابي.
يُعتبَر كتاب "قوة عقلك الباطن" للدكتور "جوزيف ميرفي"، واحداً من أكثر الكتب انتشاراً ومبيعاً، ويقع في قائمة الكتب الواجبة قراءتها لدى العديد من مؤسسات التجارة والأعمال حول العالم، لأنه يقدم طرقاً لإطلاق العنان للقوى العقلية المدهشة، من أجل بناء الثقة بالنفس، وتكوين علاقات اجتماعية منسجمة، وتحقيق النجاح المهني، وجني الثروة، والتغلب على الخوف الطبيعي، ويجيب عن أسئلة كثيرة من نوع: لماذا يوجد إنسان سعيد، وآخر شقي؟ ولماذا يوجد إنسان فرِح وثرِ، وآخر بائس وفقير؟ ولماذا هناك إنسان خائف وقلق، وآخر مليء بالثقة والإيمان؟ ولماذا يحقق إنسان نجاحاً باهراً، ويفشل إنسان آخر فشلاً ذريعاً؟ ولماذا يشفى إنسان من مرض عضال، ولا يشفى إنسان آخر منه؟ ولماذا تحقق زوجة نجاحاً في زواجها، وتشعر أخرى بالتعاسة وخيبة الأمل؟
هذه الأسئلة وغيرها، أجاب عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في محاضرته خلال القمة الحكومية، بأسلوب سهل وسلس عندما قال: "الطاقة الإيجابية تعني التفاؤل بيوم جديد عند كل صباح، فمن يصحو من نومه متفائلاً مبتسماً يظل نهاره مبتسماً وكله تفاؤل. والطاقة الإيجابية عند الإنسان تجعله قوياً مستعداً لمواجهة التحديات بروح عارمة وبإصرار أكيد. أما الطاقة السلبية فهي تحبط المرء وتسلبه قوته وإرادته وتفاؤله".
بهذه الكلمات الموجزة، وهذه الروح الإيجابية التي أشاعها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في محيط القمة الحكومية، والتي يشيعها كل يوم في أرجاء الإمارات، وفي مرافق العمل المختلفة، يجب أن ينطلق كل واحد منا إلى عمله، وبهذه الروح يجب أن نتحلى ونحن نمارس أعمالنا، وبهذه الروح يجب أن نتغلب على كل الصعاب والتحديات التي تواجهنا، وبهذه الروح يجب أن نعود إلى بيوتنا، مفعمين بالتفاؤل والأمل والتطلع إلى إنجاز جديد.
بها وحدها نستطيع أن نحافظ على المنجز، وننطلق إلى إنجازات أخرى، كي تبقى دولتنا مثلاً ورمزاً للنجاح ومواجهة التحديات، والتحلي بالطاقة الإيجابية التي ورثناها من مؤسس هذه الدولة، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في محاضرته المتدفقة حيوية، والمفعمة طاقة إيجابية لا حدود لها، يمدنا بها سموه في أقواله، تماماً مثلما تتجسد في أفعاله التي نراها على الأرض، مع مطلع كل شمس وغروبها.