كنت أجلس في شقتي شاعراً بالوحدة، من دون أن يكون لدي شيء بعينه يتعين عليّ القيام به، عندما تصورت أنني سمعت طرقاً على الباب، ولم أبد اهتماماً حيث إنني لم أعتقد أن أحداً قد طرق الباب حقاً. وبعد قليل سمعت تكراراً للصوت نفسه، وهكذا فقد نهضت وفتحت الباب، فوجدت أنني أواجه المحيا الباسم لشخص لم أكن أعرفه، ولن يقدر لي قط أن أنسى الكلمات الأولى التي قالها لي: "ممكن أخش يا دنيس؟"، وأتذكر أنني قلت: "تفضل" فيما كنت أفتح الباب على سعته لشخص لم أره من قبل، ولكنني كنت أدرك أنني أعرفه.
قلت من جديد وأنا أشير إلى المقعد: "تفضل". وبدلاً من الاكتفاء بالجلوس، أقبل نحوي وعانقني وطبع قبلتين على وجنتي، وقال: "أنت تعرف أنا مين؟"، فرددت قائلاً: "طبعاً".
عندئذ ودون أي نوع من محاولات التقديم، جلسنا وحدّث كل منا الآخر عما كان عاكفاً على إنجازه أخيراً، وأين كان يقيم.
سألته عما إذا كان قد غادر الكويت بشكل نهائي، فقال إنه قام بذلك، ولكنه لا يزال في القاهرة يكتب بانتظام لـ"العربي الصغير". وعندما بدت عليّ الدهشة، قال وهو لا يزال يتحدث بالعربية، إن تلك طريقة لكسب رزقه، ولكن الإقامة في الكويت لم تطب له، حيث إنه قد افتقد أصدقاءه في القاهرة.
سألته عندئذ عما إذا كان يفكر في العودة إلى روسيا، حيث درس الطب على امتداد سنوات، فقال إنه لا يفكر في ذلك. وبعد هذا أبلغني بأنه كان يقيم إلى جوار مفاعل تشيرنوبيل عندما حدث الانفجار، وأنه قد ألف كتاباً قصيراً حول هذه التجربة بأسرها، وأن الجامعة الأميركية في القاهرة قد قبلت نشر هذا الكتاب. وتحدثنا بعض الوقت حول تشيرنوبيل وطلبت منه أن يحدثني بتجربته في غمار تلك الكارثة، فقال إنه سيبعث إليّ بنسخة من الكتاب فور صدوره.
مضينا نتجاذب أطراف الحديث حول حياتنا الشخصية، وقال لي إنه قد تزوج حديثاً من فتاة سورية، وفتح هذا بالطبع المجال لحوار طويل حول سوريا التي كنت آمل أن أزورها في القريب العاجل.
ومن بين الأمور المشتركة بيننا الاهتمام بالحيوانات، وفي حقيقة الأمر فإن آخر كتاب ألفه آنذاك كان يدور حول الحيوانات ويحمل عنوان "حيوانات حياتنا"، وكان من الكتاب الذين نشترك في الاهتمام بهم يوسف إدريس، وهو أيضاً واحد من الكتاب الذين اعتاد أن يلتقيهم بصورة منتظمة، واستمر في القيام بذلك إلى أن انتقل يوسف إدريس فجأة بالطائرة لإجراء جراحة أسفرت دونما توقع عن وفاته، وكان نجيب محفوظ أيضاً صديقاً مقرباً لمحمد المخزنجي. ذكرت اهتمامنا المشترك بالحيوانات، وأن آخر كتاب له آنذاك كان يدور عنها.
ولقاء محمد يدخل السرور دوما على نفسي، وعندما أشد الرحال إلى القاهرة فإنه يطلعني على أحدث ما يدور في سوقها الأدبي، وقد أسعدني كذلك أنني عندما دخلت المستشفى في القاهرة قبل أشهر، أقبل لرؤيتي والتحدث معي، وهو الآن واحد من كتاب القمة في العالم العربي، ويحظى بالتقدير في كل مكان، وما زلت أستمتع بقراءة عموده الأسبوعي في جريدة الشروق القاهرية.
لقد كتبت عدداً كبيراً من المقالات القصيرة عن الحيوانات، بهدف إيضاح أنه في الإسلام هناك اهتمام كبير بها، بينما لا نجد ذكراً لها في الديانة المسيحية. ومن الكتب الرئيسية التي ألفتها عن الحيوانات كتاب عنوانه "جزيرة الحيوانات"، وكان استلهاماً لكتاب يحمل عنوان "النزاع بين الحيوانات والإنسان"، وهو كتاب ألفته في القرن العاشر الميلادي جماعة صوفية شهيرة.
دعني أختم هذه المقالة عن المخزنجي، من خلال اقتباس مقدمة قصيرة أدخلت في هذا الكتاب، وأدرجتها على غلافه: "يضم القرآن الكريم خمس سور سميت بأسماء حيوانات، والعديد من الآيات التي تتناول دور الحيوانات في عملية الخلق". و"جزيرة الحيوانات" هي قصة رمزية تتحدث عن مسؤوليات الإنسان حيال المخلوقات الأخرى، وهي تتساءل: هل الإنسان أسمى من الحيوانات بأي شكل من الأشكال، ولماذا يعتقد الإنسان أن له السيادة على مملكة الحيوان؟ والإجابة في الإسلام هي أن الله قد اختار الإنسان وحده لكي تتم مساءلته عند موته عن سلوكه على الأرض".
إنني أتطلع إلى مواصلة لقاء صديقي د. محمد المخزنجي عبر سنوات عديدة مقبلة.