التوطين في عام 2013 هو وعد قطعته الحكومة للشعب ولنفسها أولاً. الجميع فرح بإعلان الحكومة الاتحادية بأنها سوف تتخذ إجراءات حاسمة وفعّالة وسريعة في طريق التوطين الفعلي والحقيقي ليس فقط في مؤسسات الدولة العامة ولكن أيضاً في القطاع الخاص.

ويمكن أن يكون أكثرنا فرحاً وابتهاجاً هم أولئك المواطنون، خاصة الشباب المنتظرين لفرصة عمل سواء في القطاع الحكومي أو الخاص. التوطين لا يحتاج فقط إلى إرادة سياسية ولا إلى قرارات حكومية نافذة ولكن إلى تغير الثقافة السائدة لدى الكثيرين ليست فقط تلك المتعلقة فقط بقدرة المواطن على الإنجاز ولكن تلك المتعلقة بقدرة الأجنبي، خاصة الغربي، على الإتيان بالمستحيلات في زمن باتت المنافسة محتدمة بين المواطن والأجنبي على أي فرصة عمل متاحة. تغيير الثقافة الاجتماعية السائدة يحتاج إلى قرار اجتماعي قوي لكي نكون قادرين فعلاً على تغيير وجهة النظر والموقف من المواطن والأجنبي لكي تصبح خطوات التوطين واضحة وسريعة.

في تحد صارخ لإعلان الحكومة لعام 2013 عاماً للتوطين نجد إحدى المؤسسات الوطنية الرائدة، وقبل أيام قليلة فقط، تعلن عن تعيين أحد الموظفين الغربيين في منصب قيادي بارز. هذا التعيين جاء بعد تأكيدات حكومية عدة بأنها ماضية قدماً في طريق التوطين ولا رجعة عنه. هذا التعيين طرح استفسارات وأسئلة عدة ليس فقط عن الأسباب التي تجعلنا، وحتى هذا الوقت، نستعين بالأجنبي، ولكن عن أسباب هذا التحدي الصارخ لإرادة الحكومة.

هل السبب يكمن في الذهنية المحلية التي ترفض تصديق حقيقة مهمة وهي أن المواطن لا يقل مقدرة أو قدرة على الإنجاز عن الغربي، أم أن السبب هو عدم وجود كفاءات وطنية كافية قادرة على تولي تلك المسؤولية الكبيرة في تلك المؤسسة رغم أن عمرها يجاوز عمر الاتحاد نفسه؟ هل السبب يكمن في خطط تلك المؤسسة المستقبلية وعدم قدرة المواطن على التفكير المستقبلي والإيفاء باستحقاقات تلك الخطط أم أن السبب يكمن في قدرة البعض على تحدي القرارات وضربها عرض الحائط؟

التوطين يحتاج إلى الكثير من الإرادة لكي يصبح حقيقة قائمة وواقعية. فلكي نستوفي الوعد الذي قطعته الحكومة على نفسها ولنا يحتاج كل منا إلى أن يقف وقفة جادة وصريحة لتحويل ذلك الوعد إلى حقيقة. يحتاج كل منا إلى أن يبذل قصارى جهده لكي يغير نظرة المجتمع للمواطن وللأجنبي معاً.

نحتاج أولاً، كشعب ومسؤولين، إلى تغيير الثقافة والذهنية المحلية والصورة النمطية عن أنفسنا بأننا ما زلنا غير قادرين على الإنجاز دون مساعدة خارجية. نحتاج إلى تغيير الثقافة الاجتماعية عن الغربي بأنه "سوبرمان" قادر متى ما أوكلت له مهمة مستحيلة على تغير الواقع وقلب الموازين والإتيان بالمستحيل. فلا شيء يغير الواقع إذا لم يكن ذلك الواقع جيداً ولا شيء جديد يمكن أن يضيفه الأجنبي إذا لم يستفد من خبرة المواطن. فلو أدركنا فعلاً هذه الحقائق نكون قد تجاوزنا أولى الخطوات في طريق تغيير الذهنية السائدة.

خطوات التوطين الفعلي بالتأكيد سوف تكون صعبة لأنها لا تواجه فقط واقعاً عملياً صعباً ولكن نظرة اجتماعية أصعب تتجاهل الواقع المعاش وتعمل على إضافة هالة غير عادية على الأجنبي.

ونظرة عامة على الأوضاع في منطقة الخليج نرى أنه على الرغم من أن تلك النظرة إلى الأجنبي موجودة في كل مجتمعات الخليج إلا أنها تكتسب بعداً آخر في مجتمع الإمارات، فالأجنبي الغربي يعد رصيداً تتباهى به المؤسسات سواء أكان له دور قيادي أم مجرد ديكور يزين الموارد البشرية في المؤسسات العامة والخاصة. أما راتبه ومخصصاته فهي مثار جدل أحياناً واستياء أحياناً أخرى.

فالأرقام التي تحصل عليها فئة العمالة الغربية تضاهي ما يحصل عليه الآخرون من مواطنين وعرب وآسيويين. وعلى الرغم من كل هذا التميز الذي تحصل عليه هذه الفئة إلا أنها ما زالت تحمل نظرة دونية لنا وتشعر دائماً بالتفوق الذي نعززه نحن في نفوسها.

أمام عام 2013 تحدي اجتماعي وفكري كبير. هل فعلاً سوف نكون قادرين على الوفاء بما وعدنا به والالتزام بالعهد الذي قطعناه على أنفسنا وهو أن نجعل من هذا العام عاماً مميزاً في مجال التوطين؟ هل نستطيع السير بخطوات أسرع وأكثر فعّالية في هذا المجال أم أن التوطين سوف يظل يشهد سيراً بطيئاً ومرتبكاً ويظل خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الخلف؟ كل المؤشرات تدل على أن القيادة السياسية جادة وعازمة على اتخاذ القرار الصائب إلا وهو استكمال عملية التوطين في كل المجالات.

يبقى فقط أمر واحد وهو أن يظهر المسؤولون عن التنفيذ جدية واضحة وصريحة في سبيل استكمال هذه العملية.

إذاً أمام التوطين لكي يكتمل خطوات صعبة وطويلة ويمكن أن يكون أصعبها ليس توفير الوظائف وفرص العمل، فهي متوفرة، وليس في التأهيل والتدريب فهو سهل ومقدور عليه ولكن أصعب الخطوات في طريق التوطين يكمن في تغيير العقلية السائدة تجاه المواطن والأجنبي، فهي التي لا تزال تقف حتى الآن عقبة كبيرة في طريق التوطين.