في المئة الثالثة قبل الميلاد كان الإسكندر المقدوني على رأس جيشٍ من 47 ألف مقاتل يعبر البوسفور لدحر الفرس المحتّلين لكل آسيا الوسطى بعد أن رفض متابعة سياسة أبيه بالتفاوض السلمي مع الإمبراطورية الفارسية، وفي معركة حاسمة أمام داريوس الفارسي وبجيش بلغ قرابة ربع مليون مقاتل مع مجموعة من الفيلة المحاربة وفي سهلٍ متسع لا يسمح بمناوراتٍ تكتيكية، رأى الإسكندر الهزيمة في أعين جنوده وهم يلاحظون الفرق الشاسع في العدد والعتاد، فنادى مترجمه واقترب به من صفوف الفرس ونادى فيهم : "أيها الفرس، من كان لا يزال على اتفاقه معنا فإنّ أمواله لدينا حسب الإتفاق وليمتنع عن المشاركة في القتال"، فاضطرب الجيش الفارسي و بدأ الجنود في اتهام بعضهم البعض بالخيانة ثم مالبثوا أن تقاتلوا فيما بينهم، فاقتنص الاسكندر الفرصة وأخذ أفضل فرسانه وانقض على كتائب الفرسان المحيطة بداريوس فاخترقها كالطوفان وهرب داريوس واختل وراءه الفرس فكانت هزيمتهم المدويّة.
تلك القصة تحمل جزئيتين لذات الخصلة القيادية التي ينفرد بها القادة الأفذاذ عن غيرهم، فرفضه لخيار أبيه غير المجدي رغم أنّه الأسلم، ثم قلبه لموازين معركةٍ غير متكافئةٍ قبل بدايتها لا تدل إلا على قدرةٍ هائلة في التفكير بعيداً عن الأُطُر الضيقة واستشفافٌ مدهش لتداعيات المستقبل برؤية ما لا يراه الآخرون أو يصعب على أفهامهم، فعندما يرى الغالبية المشكلة كمسبباتٍ وواقعٍ و نتائج تالية لها، يكون منذ الوهلة الأولى أكثرهم ثباتاً نفسياً وأولهم بحثاً عن حلولٍ و مخارج من تلك المشكلة، فالسلبية لا تحلّ السلبية، والتردّد ليس خياراً محموداً في عالمٍ متسارع النبض والأحداث، والنظر لمرآة السيارة الخلفية لن يُفيدك وحده في السير للأمام بطريقةٍ صائبة.
بذات المنحى كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم واضحاً للغاية عندما ركز من ضمن حديثه في اليوم الأول للقمّة الحكومية على حقيقة أنّه من السهولة بمكان أن ترى الكل يتحدث عن المشكلة أو عن اكتشاف النواقص ولكن قلّة هم أولئك الذين يُفكّرون في الحلول، ثم أعقبها بجزئيةٍ مكمّلة لا يمكن اغفالها بحالٍ من الأحوال لكل ذي مسؤولية، من أنّ الخطأ متوقّع كلما كان العمل أعلى طموحاً وأكبر حجماً، ومن أخطأ دون تعمّد فقد "كسب" خبرةً إضافية ومعرفةً تمنعه من تكرار تلك المحاولات بتلك الطريقة، فالقصور في العمل البشري أمرٌ طبيعي ما دام المسؤول في بحثٍ دؤوبٍ عن الأفضل والأمثل، فالبحث عن الكمال مشروع، و لكنّ اشتراطه غير منطقي إطلاقاً، فالسعي إليه أكبر محفزٍ لاتقان العمل والنظر للأمور بطريقةٍ مغايرة ومن زاويةٍ مختلفة، فذات الروتين وذات الأساليب لن تؤدي إلا لذات المخرجات القديمة !
إنّ نواح العجائز والتشنّجات وردود الأفعال السلبية عند حدوث المشاكل أو مواجهة العوائق هو فنٌ يتقنه الغالبية، بينما رؤية الضوء بنهاية النفق المظلم هي موهبة القلة النادرة من القادة، فعندما يكون أقصى عبقريات المتباكين هو البحث عن شماعات لتبرير الفشل، يبحث هو عن المتناقض ليؤلف بين عناصره، وعن المتفرّق ليُجمّع بين متناثره، وعن الباب المغلق ليبحث عن باب آخر، وهو فوق ذلك يتخلص من الخوف بمواجهته لا الهروب عنه، و يعيد تركيب المعزوفة النشاز لتصبح مقطوعةً تسلب الألباب وتستثير التصفيق.
إن القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون هو ما مكّن ستيف جوبز ليعود لشركته المترنحّة في منتصف التسعينات، ويُقْدِم على خطواتٍ شديدة الجرأة دون أن يستمع كثيراً لتحذيرات مجلس الإدارة، وقد أحسن بذلك فعلاً، فهم من تسبّب بتدهور الشركة وسوء أوضاعها، فكيف يُعقَل أن يكون بمقدورهم انقاذها واعادتها للطريق الربحي، فسدّ أُذُنيه عن نصائح (عوير) و (صوير) و بدأ في تحويل مسار الشركة من عالم الحواسيب فقط ليُدخلها أتون عالم الملتيميديا بتقديمه لجهاز الآيبود الشهير والذي غيّر به موازين القوى في ذلك العالم و تسبّب بنجاح ربما لم يَدُر بخَلَدِ جوبز نفسه، وهو هنا لم يكن يبتكر شيئاً من اللا شيء بل كان يُجمّع المتفرّق بين الأجهزة الألكترونية القديمة، ثم واصل على نفس المنوال و قدّم جهاز الآيباد ليهزّ عرش شركات الحواسيب و يجبرها للجري خلفه لتقليده خوفاً من اكتساحه للسوق بمفرده، ولأن النجاح لا يؤمن بالجمود أو القناعة بما تحقق ثم "تُعلّق الأحذية" فقد فاجأ العالم من جديد بدخوله لصناعةٍ جديدة بتقديم هاتف الآيفون والذي لم يكن في الحقيقة سوى آيباد صغير مع خاصيّة الاتصال.
من المهم أن نتذكر أيضاً أنّه ليس بالممكن التفكير بطريقةٍ مغايرة والتنبؤ بالمستقبل بصورة صحيحة إن كان الشخص يرى الواقع بصورة غير واقعية أصلاً، فالمخرجات من جنس المدخلات وما بُني على خطأ لن ينتهي إلا بخطأ أكبر، فريك واجونر الرئيس السابق لجنرال موتورز راهن على السيارات الكبيرة عندما كان كل العالم يبحث عن الصغير منها فأفلس بشركته وهو خريج هارفارد.
إن الفكر المختلف ورؤية اللا مرئي ليس ضربَ وَدَع أو مزاجيةٍ محضة، بل هو نتاج معرفة كبيرة بعناصر ما حول المشكلة وبطبيعة وسرعة التغيير من حولها، وبتتبع حالاتٍ مماثلة قد تم حلّها سابقاً، وبالبحث عن الفرص التي تختفي خلفها، وبتجاهل النمطية والقوالب الجاهزة في وضع الخيارات وتقييمها، وكل ذلك يستدعي حضوراً ذهنياً عالياً وإحاطة كبيرة بالموقف وملابساته وجرأة في اتخاذ القرار ، فبعد فوات الأوان تكون كل القرارات عديمة جدوى حتى السليم منها، فلو صرخ الإسكندر بتلك الجملة بعد اشتباك الجيشين لن يسمعه أحد وربما كانت تلك جُملته الأخيرة !