هل هناك علاقة بين العنف داخل المدن الأميركية والعنف الذي تمارسه الولايات المتحدة خارج أراضيها؟ السؤال طرحته المصادفة ذات الدلالة، التي وقعت الأسبوع الماضي. ففي أسبوع واحد تنشغل الولايات المتحدة بموضوعين، أحدهما يتعلق بالعنف في الداخل، بينما يتعلق الآخر بالعنف الذي تمارسه الولايات المتحدة في الخارج.

ففي مجلس النواب، كان الموضوع المهيمن هو مشروع قانون لمواجهة العنف المجنون، الذي يتجلى من خلال سلسلة من الحوادث البشعة، كان آخرها مذبحة المدرسة الابتدائية التي راح ضحيتها أطفال في عمر الزهور، أطلق شاب النار عليهم عشوائيا من سلاح آلي. وفي مجلس الشيوخ، في الأسبوع نفسه، كانت جلسات لجنة المخابرات المخصصة للاستماع لجون برينان المرشح مديرا للمخابرات المركزية، قد تحولت إلى تحقيق معه حول برنامج "القتل عن بعد"، وهو البرنامج الذي يستهدف أشخاصا يحددهم الرئيس بنفسه، فيتم اغتيالهم من خلال طائرات بدون طيار يتم التحكم فيها عن بعد.

والحقيقة أن العنف داخل المجتمع الأميركي قديم قدم استخدام أميركا للعنف في الخارج. ففي ما يتعلق بالمجتمع نفسه، فقد انطوت نشأة الدولة الأميركية على عنف بالغ، مارسه المهاجرون الأوروبيون ضد أصحاب الأرض الأصليين، أي الهنود الحمر. ويسجل التاريخ المذابح التي تعرض لها السكان الأصليون، والأمراض التي تم نقلها لهم عمدا في بعض الأحيان.

وما حدث للهنود الحمر صفحة من التاريخ الأميركي تفضل أميركا الرسمية أن تحيطها بالصمت، لكن العنف لم يقتصر على الهنود الحمر، وإنما مورس أيضا ضد الأفارقة الذين تم اختطافهم من غرب إفريقيا وترحيلهم عبر الأطلسي لاسترقاقهم. وفترة العبودية المريرة لم تكن نهاية العنف، فهو مورس بدرجات مختلفة، وبالتزامن مع درجات مختلفة من العنصرية والتمييز، ضد كل مجموعة جديدة من المهاجرين وطئت أقدامها الأرض الأميركية، بدءا بالأيرلنديين والإيطاليين والبولنديين، ومرورا بالصينيين واليابانيين، ووصولا لأبناء أميركا اللاتينية.

لكن كل هذا العنف تجاه الآخر المختلف، تزامنت معه منذ البداية قيمة مهمة في الثقافة السياسية، تتعلق بعدم الثقة في الحكومة الفيدرالية والاستعداد لمواجهتها ولو بالسلاح، إذا ما افتأتت على حقوق الولايات. ورغم أن حمل السلاح وامتلاكه حق دستوري، إلا أن أميركا قد صارت فعلا مدججة بالسلاح دون قيود تذكر. فلا قيد على عدد الأسلحة التي يقتنيها المواطن، ولا على نوعية السلاح المتداول. فهناك أسلحة خطرة متداولة، لا علاقة بالرياضة ولا الدفاع عن النفس. وفي مجتمع، كما قلنا، تخلله العنف منذ نشأته، صار السلاح يعقد من مشكلة العنف ولا يحلها.

وقد ظل العنف والجريمة والاستخدام المفرط للسلاح، من القضايا الخلافية التي تطفو على السطح مع كل جريمة جديدة. والاتحاد العام للبندقية المدافع عن حق امتلاك السلاح دون أية قيود، لعب دورا محوريا في منع تنظيم تداول الأسلحة، تحت شعار الحق الدستوري في حمل السلاح، رغم أن الحق في حمل السلاح لا يمنع من تنظيمه. ولم يستطع المطالبون بتقنين تداول السلاح، تحقيق نجاحات إلا عشية جريمة بشعة كمذبحة قتل الأطفال مؤخرا. لذلك يسعى أنصار تقنين السلاح بكل طاقتهم هذه الأيام، لإصدار قانون في ظل لحظة الصدمة المجتمعية مما حدث.

أما على المستوى الخارجي، فقد انغرس في الثقافة الأميركية منذ البداية، الإيمان بأن الولايات المتحدة دولة استثنائية وصاحبة مهمة سامية في العالم. والأصل في ذلك المعنى، كان خبرة المهاجرين الأوائل الذين خرجوا من انجلترا هربا من الاضطهاد الديني.

 وكان هؤلاء البروتستانت "التطهريون"، اعتبروا رحلتهم عبر الأطلسي بمثابة مهمة اختارهم الله للقيام بها، لإقامة دولة مسيحية حقيقية في "الأرض الجديدة".

ورغم أن خبرة المهاجرين الأوائل لم تعد حاضرة في الثقافة الأميركية، إلا أن ما ترتب عنها كان مجموعة من القيم لا تزال حية في العقل الجمعي الأميركي. فالدولة الجديدة، إذن، دولة استثنائية ذات دور مهم في العالم. ولأنها استثنائية، فإن المعايير التي تنطبق على دول العالم لا تنطبق عليها. وهي أيضا دولة بريئة، لأنها تسعى لتحقيق مهمة أخلاقية اختارها الله للقيام بها في العالم.

وهذه القيم الثقافية الأميركية المعروفة باسم "الدين المدني"، تطفو على السطح بقوة في صراعات أميركا الخارجية. فلأنها دولة "خيرة" فالعدو يمثل "الشر" بالضرورة. والشر لا يمكن التفاوض معه، وإنما ينبغي اقتلاعه. وهنا مكمن الخطر، إذ يسهل على السياسيين الأميركيين تمرير سياسات خطيرة، عبر استخدام خطاب يلعب على وتر تلك المعاني ذات الجذور التاريخية.

فبعد 11 سبتمبر، تم تمرير العشرات من تلك السياسات، بدءا من معتقل غوانتانامو والمعتقلات السرية حول العالم، ومرورا بالتعذيب، ووصولا للتوسع في استخدام القتل عن بعد. وبرنامج القتل عن بعد يقوم على استهداف أشخاص يختارهم الرئيس الأميركي بمفرده، في سرية تامة ودون أية رقابة من القضاء، ولا حتى من الكونغرس، ثم يتم توجيه الطائرات عن بعد لاغتيال ذلك الشخص أو الأشخاص، في سرية كاملة. ولأن جون برينان، المرشح مديرا للمخابرات المركزية، هو مهندس ذلك البرنامج أصلا، فقد وجد مجلس الشيوخ ترشيحه فرصة للحصول على أكبر قدر من المعلومات حول البرنامج، الذي تديره إدارة أوباما دون شفافية.

غير أن من يشاهد أو يقرأ ما جرى حتى الآن في جلسات الاستماع، لا بد وأن يلحظ فورا حكاية "أميركا الاستثنائية" تلك. فالانتقادات التي وجهها أعضاء مجلس الشيوخ، بل والإعلام، للبرنامج انصبت بالكامل على احتواء قوائم الاغتيال على مواطنين أميركيين. وكأن البرنامج يصبح غير مقبول لأنه اغتال مواطنا أميركيا، بينما لا غبار عليه لو أن الاغتيالات تطال غير الأميركيين وحدهم! فليس مسموحا أن تغتال مواطني الدولة الاستثنائية، لكن لا مانع من اغتيال غيرهم، دون اتهام ولا محاكمة ولا مراجعة!!