من أين جاؤوا بكل هذه الكراهية، هؤلاء الذين يرتدون مسوح الإسلام، ويتدثرون بلحاف الإسلام، ويتحدثون باسم الإسلام، يدخلون من يريدون في الإسلام، ويخرجون من يريدون منه، كأن في أيديهم مفاتيح قلعة الدين وصكوك الدخول إلى الجنة؟!

من أين جاؤوا بكل هذه الكراهية، والإسلام الذي يدّعون أنهم يتحدثون باسمه هو دين المحبة والسلام، ودين حرمة كل المسلم على المسلم؛ دمه وعرضه وماله، كما جاء في الحديث النبوي الشريف المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه؟!

من أين جاؤوا بكل هذه الكراهية، والإسلام هو الدين الذي أرسى قاعدة أن ((من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً))؟!

عشنا على مدى سنوات "البؤس العربي" ظواهر قتل كثيرة، كان من أشدها مأساوية ظاهرة "القتل على الهوية"، التي انتشرت في لبنان إبان الحرب الأهلية، والتي تنتشر اليوم في العراق الذي تمزقه الطائفية المذهبية والدينية والعرقية، وتتجاذبه مصالح الدول المجاورة، ومصالح القائمين على أمره وانتماءاتهم العرقية والمذهبية.

حدث هذا على مدى سنوات "البؤس العربي" حتى جاء "الربيع العربي" الذي ظننا أنه سينقذنا من سنوات "البؤس" تلك، فإذا به يحمل لنا ظاهرة أخرى نستطيع أن نطلق عليها ظاهرة "القتل على الفتاوى".

ظاهرة تستمد جذورها من حالات فردية حدثت على مراحل متباعدة، لكنها مرشحة اليوم للتنامي بعد مقتل المعارض التونسي "شكري بلعيد"، الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، والعضو القيادي في الجبهة الشعبية، حيث انتشرت على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والمحطات الفضائية، مقاطع لجماعات سلفية متطرفة، تطالب برؤوس المعارضين من غير التيار الإسلامي في تونس.

وتحدد بالاسم نجيب الشاذلي وشكري بلعيد، يكفرونهم باسم الله تعالى وباسم رسوله الكريم، ويدعون إلى اتخاذ العنف وسيلة للتعامل معهم. الأمر الذي جعل "بلعيد" يدعو قبل اغتياله بأيام قليلة، إلى عقد مؤتمر وطني لمناهضة العنف، قائلاً إن العنف قد استشرى بعد الثورة في ظل التجاذبات السياسية، محذراً قيادات حركة النهضة ووزير الداخلية من محاولات تفكيك الدولة، وزرع قوى وميليشيات ترهب التونسيين، وتستدرج البلاد إلى حالة من العنف الشامل عبر رابطات حماية الثورة.

حدث هذا في تونس التي فجرت شرارة "الربيع العربي" قبل أن تتبعها مصر ودول عربية أخرى، وحدث في تونس أيضاً أن تصدّر الإسلاميون المشهد بعد الثورة وقطفوا ثمارها، رغم أنهم ليسوا مفجريها ولا أول الملتحقين بها، ليتكرر المشهد نفسه في مصر أيضاً، فهل نحن مقبلون على مشهد آخر في مصر مستنسخ من المشهد التونسي؟

واضح أن شيئاً من هذا القبيل على وشك الوقوع، رغم ترديد البعض أن "مصر ليست تونس"، فقد سبق أن ترددت هذه المقولة قبل ثورة 25 يناير وثبت عدم صحتها، وترددت قبل أن يسيطر التيار الإسلامي على المشهد المصري وثبت عدم صحتها أيضاً، فالمقدمات موجودة، وفتاوى قتل المعارضين للسلطة صدرت فعلاً وأعلنها صراحة من أطلقها على القنوات الفضائية الدينية.

والفتوى التي أطلقها الدكتور محمود شعبان على قناة "الحافظ" وأهدر فيها دم قادة جبهة الإنقاذ المعارضة، بدعوى خروجهم على الحاكم المنتمي إلى التيار الإسلامي، أصبحت جاهزة للتنفيذ، فلا إدانة رئاسة الجمهورية المصرية لها سوف تضمن عدم تنفيذها.

ولا الحراسة المشددة التي فرضتها وزارة الداخلية على قطبي جبهة الإنقاذ؛ الدكتور محمد البرادعي وحمدين صباحي اللذين ذكرهما الدكتور شعبان بالاسم، ستحول دون وصول أيدي من سيقوم بتنفيذ الفتوى إليهما، ولا معارضة بعض العلماء للفتوى ستجد آذاناً صاغية لدى الذين لا يسمعون سوى أنفسهم، ولا يؤمنون إلا بما يقول مشايخهم.

في الثامن من شهر يونيو عام 1992، قام اثنان من بائعي السمك باغتيال الكاتب والمفكر المصري فرج فودة، وتبين أن الاغتيال جاء بفتوى من شيوخ "جماعة الجهاد" بعد أن طالب فودة بفصل الدين عن الدولة، واستقال من حزب الوفد الجديد رافضاً تحالف الحزب مع جماعة الإخوان المسلمين لخوض انتخابات مجلس الشعب المصري. وأثناء محاكمة القاتل سئل: لماذا اغتلت فرج فودة؟

فأجاب: لأنه كافر. وعندما سئل: ومن أي كتبه عرفت أنه كافر؟ أجاب: أنا لا أقرأ ولا أكتب! ثم تكرر المشهد بعد سنتين عندما حاول محمد ناجي محمد مصطفى، اغتيال الكاتب نجيب محفوظ بغرس سكين في رقبة الكاتب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، واعترف مرتكب محاولة الاغتيال لاحقاً بأنه لم يقرأ شيئاً لمحفوظ، مؤكداً أنه لا يحتاج إلى قراءة أعمال محفوظ لأنه ينفذ "أوامر أمير الجماعة التي صدرت بناءً على فتاوى الشيخ عمر عبدالرحمن".

"القتل على الفتاوى" ظاهرة لا وجود لها إلا بيننا نحن المسلمين للأسف، مع أن ديننا هو أكثر الأديان عدلاً ورحمة وسماحة وإنسانية، لكن الذين يصدرون هذه الفتاوى لا يعرفون وجه الإسلام الحقيقي، وهم يُحِلّون سفك دماء من يختلف مع فكرهم.

أما مسلسل العنف والقتل هذا الذي تكتب حلقاته هذه الفتاوى، فيؤكد أننا ربما كنا بحاجة إلى ثورة للقضاء على فساد بعض الأنظمة، لكننا بحاجة إلى ثورات للقضاء على فساد الكثير من الأفكار والمعتقدات والأحكام التي يصدرها ويروج لها هؤلاء الذين تدير رؤوسهم رائحة الدم، وتستهويهم مناظر القتل، ويطربهم خطاب التحريض الذي لا يجيدون غيره، حتى لو كان هذا الخطاب على حساب أمن المجتمع وسلامه، وحتى لو أدى إلى تشويه صورة ديننا الإسلامي الحنيف، ورسالته الإنسانية الخالدة إلى يوم الدين.