يبدو أن التلازم بين ثورتي مصر وتونس سيظل قائماً لفترة طويلة. بعد عامين من سقوط النظامين السابقين (مبارك وبن علي) تبدو الظروف بالغة التعقيد، وتبدو الاحتمالات كلها نحو صدام عنيف بين القوى المتصارعة في الدولتين.

في الوقت الذي كانت تأتي فيه بنبأ اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد، والاتهامات توجه لحركة "النهضة"، كانت مصر تعيش أزمة أكثر اشتعالاً، وكان العنف يتزايد، وإذا كان اغتيال القيادات السياسية المعارضة للإخوان المسلمين مازال في حيز التهديد فقط حتى الآن، فإن الأمر ليس كذلك في قيادات الشباب.

ففي موجة أحداث العنف التي اجتاحت مصر مع ذكرى مرور عامين على الثورة، ومع سقوط أكثر من خمسين شهيداً حتى الآن، فإن الملاحظ أن سجل الشهداء يتضمن أعداداً من قيادات شبابية مؤثرة، أو من الذين يقودون صفحات إلكترونية معارضة للإخوان.

مثل الشهداء محمد الجندي المناصر للتيار الشعبي برئاسة حمدين صباحي، ومحمد حسين قرني الشهير بـ"كريستي"، وقبلهم الشاب الثائر "جيكا"، كلهم كانوا قادة في الميدان وفي تنظيم التظاهرات، وفي فضح أكاذيب وجرائم الحكم عبر صفحات مثل "إخوان كاذبون" وغيرها.

طريق العنف انفتح في البلدين، والإخوان هم الطرف الرئيسي المتهم هنا وهناك. ربما بدأوا في تونس بالزعامات السياسية، وربما بدأوا في مصر بالقيادات الشابة، لكن الطريق انفتح ولا أظن أنه سيغلق قريباً.

"الإخوان المسلمون" في مصر أدركوا أنهم في موقف دقيق. فالأوضاع الاقتصادية تسوء، والشعبية تتناقص، والمعارضة تشتد. وكان الموقف على الجبهة السياسية يسوء بعد صمود "جبهة الإنقاذ" التي استفادت من أخطاء "الإخوان" في كل المجالات. ثم زاد الأمر سوءاً بالنسبة للإخوان مع التقارب الذي حدث بين "جبهة الإنقاذ "وبين "حزب النور السلفي "، وهو الحزب الذي كان مفاجأة الانتخابات بعد الثورة حين احتل المكانة الثانية بعد الإخوان رغم حداثة عمله بالسياسة بعد سقوط النظام السابق.

وعلى مدى عامين كان الحزب فاعلاً أساسياً في الحياة السياسية، ثم تعرض في الفترة الأخيرة لانقسام في صفوفه اتهم الإخوان المسلمين بأنها وراءه. ومع ذلك احتفظ الحزب بقوامه الأساسي وقام في الفترة الأخيرة بمبادرة مهمة أدان فيها الإخوان المسلمين واتهمهم بالاستحواذ على السلطة.

وعرض شروطاً للحوار والتوافق لقيت استجابة سريعة من "جبهة الإنقاذ" وهو ما أزعج "الإخوان المسلمين" كثيراً، لأنه يجردهم من سلاح أساسي يستخدمونه ويصورون به التنافس السياسي علي أنه صراع بين الإسلام (الذي يمثلون) وخصومه من الليبراليين والديمقراطيون واليساريين.

في الوقت نفسه كان الفشل يلاحق كل الخطط الاقتصادية والمالية والسياسية لحكومة الإخوان التي لم تر مصر مثل ضعفها منذ عقود طويلة. وكان هذا ينعكس على حياة البسطاء والتي تزداد سوءاً، وعلى ما ينتظرهم من إجراءات تقشفية تفرضها روشتة صندوق النقد الذي تجري الحكومة وراء قرضه الموعود الذي أصبح حلالاً، بعد أن كان حراماً وربا حين كان الدكتور الجنزوري يفاوض عليه.

كانت هذه التطورات تتلاقى مع أمر آخر تعتبره "الإخوان المسلمون" أساسياً في مستقبل حكمهم وهو العلاقة مع أميركا، حيث كان أوباما يشكل إدارته الجديدة للفترة الرئاسية الثانية، ويختار السيناتور كيري وزيراً للخارجية، وحيث كانت الضغوط تتزايد لمراجعة سياسات الإدارة في الفترة السابقة .

والتي وضعت كل أوراقها لدعم "الإخوان" باعتبار أنهم القوة السياسية المنظمة الوحيدة في مصر التي يمكن التعامل معها والاعتماد عليها، خاصة بعد الحصول منها على كل ما كانت تريده أميركا من ضمانات، بل وأكثر مما كانت تريده!!

كان قرار "الإخوان" هو محاولة ضرب جبهة المعارضة والتصدي بعنف لتحركاتها خاصة مع اقتراب موعد انتخابات مجلس الشعب الجديد، ورغم أن "الإخوان" قالوا إنهم لن يحتفلوا بذكرى الثورة التي أوصلتهم للحكم فإنهم أقالوا وزير الداخلية السابق جمال الدين الذي رفض استخدام القوة في الأحداث أمام قصر الاتحادية في نوفمبر الماضي.

فكان أن نزلت ميليشيات الإخوان وارتكبوا المذبحة التي راح ضحيتها عشرات الشهداء والمصابين. وأطلقوا فرقاً منظمة ومدربة للتحرش بالنساء في ميدان التحرير ومحاولة انتهاك أعراضهن لبث الرعب ومنع النساء من المشاركة في الثورة.

وبينما كان الشهداء يتساقطون، كانت آلة الإعلام الرسمية تنطلق لتحمل جبهة الإنقاذ المسئولية، وتقول إنها هي التي حرضت على العنف، وتمهد الطريق لمحاكمة محتملة لقادة الجبهة، ثم كانت الصدمة التي حكمت على هذا المخطط بالفشل، حين سجلت الكاميرات واقعة سحل المواطن البسيط حمادة صابر بعد تجريده من ملابسه بواسطة ضباط وجنود الشرطة أمام القصر الجمهوري.

ربما يكون هذا هو الحادث الأسوأ، ولكنه أصبح العلامة المسجلة على نظام اختار القمع والبطش طريقاً للحكم. وما تم اكتشافه بعد ذلك من وقائع كان مذهلاً. فبالإضافة إلى قتل نشطاء شباب بالرصاص مباشرة، كانت هناك عمليات خطف واحتجاز لمئات الشبان بعيداً عن عين القانون. وكانت هناك "حفلات تعذيب" وضرب وإهانة وهتك أعراض. وكان هناك أطفال في الثانية عشرة يقبض عليهم ويحتجزون في المعتقلات ويضربون ويهانون.

وكان هناك طفل في الخامسة عشرة مريض بالسرطان يتم احتجازه وتعذيبه، ولا يفرج عنه إلا بعد أن تحول الأمر إلى فضيحة مدوية لنظام يدعي أنه يطبق تعاليم الإسلام البريء مما يفعلون. كانت اللقطة الثانية المثيرة في الموقف بعد لقطة "المواطن المسحول" هي أنه في اليوم نفسه الذي كان ميدان التحرير في القاهرة يودع شهيدين، كان الرئيس مرسي يجتمع بالمجلس الأعلى للشرطة ليحيي جهودهم.

وكانت الدوائر الرسمية تجتهد في تزوير أسباب ملفقة لتبرئه النظام من دم الضحايا. وكانت جماعة الإخوان تصدر تأكيدات بأن رئيس الجمهورية بحكم الدستور الجديد الباطل ليس مسؤولاً عن كل ما يقع من جرائم النظام، وكأنها تردد "يكاد المريب يقول خذوني". لا يدرك "الإخوان" أنهم خدموا الثورة كثيراً حتى لو كانوا قد خانوها بالفعل وسرقوها من أصحابها. هم الآن يقدمون النموذج لمصر التي يريدونها "ولاية" يخضعونها بالقمع، ويحكمونها بالقوة، ويخرسون صوتها باسم الدين الحنيف البريء من جرائمهم.