الضجة الكبرى المثارة اليوم في الكونغرس الأميركي وخارجه، حول ترشيح السيناتور الجمهوري السابق تشاك هاغل وزيرا للدفاع، تجسد الكثير من العلل التي تعاني منها السياسة في أميركا، وتطرح الأسئلة حول أداء هاغل الفعلي إذا ما فاز بالمنصب.
فهناك منذ أسابيع حملة شرسة تضغط على أعضاء مجلس الشيوخ، للتصويت ضد تولي الرجل للمنصب. وهي الحملة التي اشتعلت الأسبوع الماضي، تزامنا مع جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ، لمناقشة هاغل، أو بالأحرى التحقيق معه بشأن الكثير مما جاء على لسانه حين كان عضوا في المجلس.
ولعل العلة الأولى التي تجسدها معركة ترشيح هاغل، هي تلك المتعلقة بحال الحزبين الكبيرين في أميريكا. فلم يعد في أميريكا، وخصوصا في مجلس الشيوخ، حزب لليمين وحزب لليسار، وإنما صار هناك حزب في أقصى اليمين وآخر في يمين الوسط. فهاغل الجمهوري الذي رشحه أوباما الديمقراطي ليتولى منصبا رسميا، يلقى معارضة شرسة من الجمهوريين لا الديمقراطيين في مجلس الشيوخ. فمواقف هاغل السياسية عموما، صارت غريبة عن الحزب الجمهوري الذي يندفع مزيدا نحو اليمين على مدار الساعة.
وهاغل، حين كان عضوا في مجلس الشيوخ، كان يعتبر من "الجمهوريين المعتدلين" الذين صار يطلق عليهم "الكائنات المنقرضة". فما كان مقبولا داخل الحزب الجمهوري منذ سنوات، لم يعد كذلك اليوم على الإطلاق. فالذين كانوا في وسط الحزب الجمهوري يوما، صاروا الآن على يساره ومنبوذين داخله.
أما الديمقراطيون، فلم يجد معظمهم مشكلة تذكر مع مواقف هاغل. فقد هيمن يمين الوسط على مقدرات الحزب الديمقراطي منذ عهد كلينتون، ومع الوقت صار نادرا أن تجد في مجلس الشيوخ أعضاء يمثلون يسار الحزب، مثل السيناتور الراحل بول ولستون أو السيناتور السابق راس فاينغولد. وعليه، فإن هاغل الجمهوري المعتدل بمقاييس الأمس، يجد نفسه منبوذا اليوم وسط الجمهوريين ومقبولا لدى الديمقراطيين!
أما العلة الثانية التي ظهرت بوضوح في معركة هاغل، فهي تمثل مفارقة في حقيقة الأمر. فبينما خرج المحافظون الجدد من الحكم مع بوش الابن، إلا أن نفوذهم السياسي لا يزال حاضرا بقوة في تشكيل السياسة الخارجية الأميركية. فأفكار المحافظين الجدد بشأن سياسة أميريكا الخارجية، صارت مهيمنة داخل الحزب الجمهوري، حتى أنك صرت تسمع خطابهم بوضوح في أروقة الكونغرس. بل إن تأثيرهم طال حتى الديمقراطيين، حيث تبنى أوباما الكثير من رؤاهم، بدءا بالقصف المنظم للحريات باسم الأمن، ووصولا للحرب عن بعد واعتماد الاغتيالات السياسية التي بدأها بوش الابن.
والحقيقة أن المعارضة الشرسة التي يلقاها تشاك هاغل، تأتي في الأساس من المحافظين الجدد، لأن مواقف الرجل تتعارض مع أفكارهم ورؤاهم. فالمحافظون الجدد يؤمنون بضرورة الهيمنة الأميركية الكاملة على العالم، والقضاء على كل من تسول له نفسه تحدي تلك الهيمنة، وهو الأمر الذي لا يتأتى إلا من خلال القوة العسكرية والحروب الدائمة. والمحافظون الجدد يكرهون هاغل لأن مواقفه في هذا الشأن لا تطمئنهم، فهو بعد أن وافق على غزو العراق على مضض، كان أول الجمهوريين الذين انتقدوه انتقادات لاذعة، واعتبر أنه كان الخطأ "الأكثر خطورة منذ فيتنام" في سياسة بلاده الخارجية.
وبالمناسبة فإن خدمة هاغل العسكرية في فيتنام وموقفه من الحرب لاحقا، من أهم الأمور التي يمقتها المحافظون الجدد. فهو من ناحية خدم في الحرب ومن ثم من الصعب التشكيك في صلابته، ثم إن تيار المحافظين الجدد اعتبر أن الانسحاب منها كان الخطأ الفادح وليس دخولها. والمحافظون الجدد لهم أيضا رؤية محددة للشرق الأوسط، لا يمكن تحقيقها إلا بالتطابق الكامل للسياسة الأميركية مع السياسة الإسرائيلية، وهو ما يرفضه هاغل.
فعلى عكس ما يقوله المحافظون الجدد، فإن سجل هاغل يؤكد دعمه لإسرائيل، ولكنه لا يرى أن الولايات المتحدة مجبرة على الاتفاق مع كل موقف تتخذه حكومة إسرائيل. وهو لذلك، لم يكن راضيا عن موقف إدارة بوش التي دعمت إسرائيل في قصفها للبنان عام 2006، ورفضت إعلان وقف إطلاق النار أملا في أن تحقق إسرائيل أهدافها من القصف. وهاغل الذي حارب في فيتنام بنفسه، رأى أن الملف النووي الإيراني يمكن حله عبر التفاوض، لا باللجوء مباشرة إلى الحرب.
أما العلة الثالثة التي جسدتها معركة ترشيح هاغل، فهي الدور الخطير للمال في العملية السياسية، فهناك العشرات من المنظمات والأفراد الذين ينفقون ببذخ على الحملة التي تهدف إلى هزيمة هاغل. وحتى يحصل الرجل على المنصب، فإنه سيحتاج كل أصوات الديمقراطيين في مجلس الشيوخ وعددهم 55 (من الأعضاء المائة)، ومعهم 5 على الأقل من الأعضاء الجمهوريين.
والأرجح أن يحاول أعضاء المجلس الجمهوريون فرض التصويت على ترشيح هاغل بأغلبية الثلثين، لا الأغلبية البسيطة. لذلك، تسعى تلك الأموال للتأثير على الأعضاء الجمهوريين في دوائرهم، لإثنائهم عن التصويت لصالح هاغل.
وتضافر تلك العلل الثلاث، جعل من الحملة الساعية لهزيمة هاغل حملة غير مسبوقة بالنسبة للترشيحات الرئاسية للمناصب التنفيذية. وهو ما يجعل السؤال الأكثر أهمية، هو ذلك الذي يتعلق بتأثير تلك الحملة على مواقف تشاك هاغل إذا ما فاز بالمنصب.
فهل يؤدي انتصاره على تلك الحملة إلى تقوية عوده ورغبته في أن يفعل ما يؤمن به؟ أم أن تلك الحملة ستجعله أكثر حذرا في اتخاذ المواقف نفسها التي كانت سببا في انتقاده؟