بعد أقل من عامين على التدخل الفرنسي في ليبيا، تجد فرنسا نفسها منخرطة في عملية عسكرية جديدة. إن الحرب في مالي معقّدة جداً، والصيغ الجاهزة ليست كافية من أجل تحليلها. ولا يمكن اختزال تدخّل فرنسا إلى مجرّد عملية استعمارية جديدة، وأنه لم تكن هناك سوى الحلول السيئة، ذلك أن عدم فعل أي شيء كان يعني ترك المتطرفين يحتلّون مدن وسط البلاد بما في ذلك باماكو، وبالتالي ترك السكان المدنيين يواجهون رعباً تفرضه مجموعات متطرّفة، أعلن عدد منها أنها تنتمي للقاعدة، منذ شهر مارس 2012.
ومحاولة فهم الوضع الراهن تستدعي أوّلاً الربط بين التدخّل وأهدافه، ثمّ محاولة رؤية احتمالات المستقبل.
المرحلة الأولى من التدخل الفرنسي الرامية إلى كبح توسع المتطرفين نحو الجنوب، جرى إنجازها بسرعة، بفضل تدخّل الطيران خاصّة. وتنبغي حول هذه النقطة، ملاحظة أن منع المسلحين من التنقل بعربات رباعية الدفع مكشوفة، لا يطرح صعوبة عسكرية كبيرة.
الصعوبة تكمن في تحليل المرحلة الثانية التي لا تزال أهدافها غائمة. إن كبح تقدّم قوّة عسكرية أمر بسيط، لكن تدمير قواعدها الخلفية، وما يبدو بمثابة الهدف الثاني، يشكّل عملية من طبيعة سياسية وعسكرية مختلفة جداً، وأصعب كثيراً من حيث التنفيذ.
وعلى ضوء التجارب قريبة العهد، نعرف أن جميع محاولات التدخّل العسكري ضد حركات تمتلك قواعد أرضية وشبكات تتبعها، باءت بالفشل. هكذا كان الأمر، في ظروف مغايرة بالتأكيد، لعملية الحلف الأطلسي في أفغانستان، ومحاولات إسرائيل ضد حماس في قطاع غزّة، أو في جنوب لبنان، أو حتى في التدخّل العسكري الفرنسي في رواندا بإفريقيا عام 1990.
هل المقصود هو طرد المتطرفين من شمال مالي؟ وفرضية أخرى: هل المقصود هو ترميم الدولة المالية التي تسيطر عليها حكومة انقلابية وتواجه معارضة قسم انقلابي أيضاً من الجيش الذي يواجه حالة تفسّخ؟ مع العلم أن الحكومة المالية تخلّت عن نصف البلاد للمتطرفين دون معركة حقيقية. ورغم تشوش الأهداف فإن نشر الجنود الفرنسيين على الأرض، والمدعومين منذ يوم 18 يناير المنصرم ببعض القوات الإفريقية، يشير إلى أننا دخلنا المرحلة الثانية من هذه الحرب.
وإذا كانت فرنسا ربما هي البلد ذو الموقع الأفضل عسكرياً لصدّ تقدّم المتطرفين نحو الجنوب، فإنها على العكس هي الأسوأ موقعاً لمتابعة المرحلة الثانية، أي إقامة منظومة هشّة في المنطقة. وهي ليست فقط وريثة إمبراطورية رسمت حدود الدول الحالية، ولكنها اليوم تمثل أيضاً القوّة الرئيسية لاستعمار اقتصادي إقليمي جديد.
هكذا تستثمر مثلاً مجموعة «أريفا» مناجم اليورانيوم في النيجر المجاورة، وشركة «توتال» تتطلع لاستثمار مناجم الطاقة المفترض وجودها في موريتانيا وشمال مالي.
ولهذه الأسباب، إذا كانت القوات الفرنسية قد جرى استقبالها اليوم بحماس من قبل قسم كبير من السكان في جنوب وشمال البلاد، فإنه يُخشى تغيّر سريع لموقف الرأي العام عندما يزول تهديد المتطرفين.
وتبقى المسائل الأساسية، أي السياسية، مرشّحة للبروز خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. وسيكون من المطلوب تفسير كيف انخرط عدد كبير من الشباب في صفوف المتطرفين. ولا شك أن الجواب يكمن في حالة الفقر والفساد المعمم، والاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري. بالتالي، على أية أسس سوف يعيد الماليون بناء بلادهم؟
وملف الطوارق سيكون من بين الملفات الأساسية التي ينبغي حلّها، وهؤلاء يتمتعون بخصوصية ثقافية، ويرفضون الخضوع للدول التي أقامها الاستعمار. وكان تمرد الطوارق ضد باماكو قد بدأ عام 1990، ومطلب الاستقلال الكامل أو الاستقلال الذاتي من قبل منطقة «أزواد» الشاسعة في شمال مالي، كان وراء نشوب عدّة نزاعات.
من المعروف أن المسائل المتعلّقة بانهيار الدولة، ومسائل الحكم، ومسألة الطوارق، والديمقراطية، هي مسائل سياسية بامتياز، وليست الطائرات المقاتلة والمدرعات الفرنسية هي التي سوف تحلّها. ومن الوهم تصور إمكانية معالجة المسألة التي يتم توصيفها دون عناء بالإرهاب، بوساطة السلاح وحده، دون طرح الأسئلة التي تسمح بفهم أسباب سيطرة المتطرفين على شمال مالي بسهولة في ربيع عام 2012. ومثل ذلك الوهم لا يزال يتكرر كثيراً، للأسف، في تصريحات المسؤولين السياسيين الفرنسيين.
يمكن فهم تبرير التدخّل الفرنسي بوجود وضع ملحّ ومن أجل تجنّب الأسوأ، لكن ينبغي عدم التوهّم. والمطلوب في أسرع وقت ممكن، هو الانتقال إلى المعالجة السياسية، بالتواصل مع كل جيران مالي، وخاصّة الجزائر، وإلاّ فالفشل ينتظر على المدى القصير.