من المسلم به أن نشر ثقافة التميز هو البداية لكل المراحل التالية، لذا فقد تلقيت دعوة كريمة من العقيد خليفة بن دراي المدير التنفيذي لمؤسسة دبي لخدمات الإسعاف، لإلقاء محاضرة حول متطلبات التميز، في إطار الاستعداد لخوض معركة التميز، والتي أعتقد أنها معركة أصعب من المعارك التي تدور على جبهات القتال، لأنها معركة بناء وغيرها معركة هدم ودمار، والبناء أصعب بكثير من الهدم، فمعركة التميز هي معركة لترقية الحياة وتجويدها، وغيرها من المعارك تزهق الأرواح وتخرب مستقبل الأجيال لعقود.
ولقد اختارت الإمارات العربية أن تخوض المعركة الأصعب، وهي معركة البناء والسير في الطريق الأصعب، وهو طريق بناء الإنسان وتجويد الحياة، وهو جوهر التنمية وحقيقتها وغاية منتهاها.
واستوقفني في لقائي مع العاملين في المؤسسة، توافر إرادة حقيقية للسير في طريق التميز، فضلا عن توافر بنية تكنولوجية تهيئ لدور أكثر فعالية، وهذا ما أكده المدير التنفيذي للمؤسسة خلال لقائي به، حينما ذكر أنه يسعى إلى إعداد برنامج يؤهل شباب الوطن للعمل في مهنة الإسعاف، بحوافز مادية ومعنوية. وإذا كان التميز ضرورة في كافة المؤسسات، فإنه في هذه المؤسسة ضرورة حتمية لأنه مرتبط بحياة الإنسان.
كما أن الطريق إلى التميز يبدأ بفكرة خارج المعتاد والمألوف، لكنها في دائرة المقبول مجتمعيا. فالتميز يحدث من خلال إطار مجتمعي يتفاعل معه أخذا وعطاء، ومنظومة قيمية ومرحلة حضارية يمر بها، فضلا عن سلم الأولويات في ما يحتاج إليه واقع المجتمع، وهذا الذي يعطي للتميز خصوصية مجتمعية.
وكما أؤكد دائما أن التجارب التحديثية في المجتمعات تختلف في أدواتها وسبلها وإن كان الهدف واحدا، كما لا يوجد نموذج يصلح للتطبيق على كافة المجتمعات.
كما أن أولى الخطوات في الطريق نحو التميز، تأتي من داخل الفرد وليس من خارجه، عندما يستشعر الرغبة في التجويد والإبداع في ما يوكل إليه فضلا عن إيمانه بأهمية ذلك، إضافة إلى رؤية نتائج عمله بشكل ملموس على أرض الواقع، مما يعزز لديه الرغبة في استكمال السير في ذات الطريق وزيادة. لذا فإن تهيئة البيئة المساعدة لا تكفي بمفردها، ما لم تكن هناك دافعية من الفرد للاستفادة من هذه الأجواء المواتية، بل إن هذا الصدق في التوجه قد يعوض أي نقص في الأدوات المساعدة، وقد يكون سببا في ابتكار أدوات جديدة، فالحاجة أم الاختراع.
وأعود هنا إلى كوريا، يوم أن كانت تتلمس طريقها للنهوض في خمسينيات القرن الماضي، لدولة هي الأفقر على مستوى العالم بمتوسط دخل 76 دولارا للفرد، في الوقت الذي كان 170 دولارا في الفلبين وقت ذاك، فقامت بإرسال مجموعة من الممرضات إلى ألمانيا للقيام بأشياء بسيطة، مثل مسح أجسام الموتى بمادة مطهرة، ضمانا للقرض الذي حصلت عليه. ولإعجابهم بالعمالة الكورية، قام الرئيس الألماني بدعوة الرئيس الكوري، وعند لقائهم برئيسهم ضجت القاعة ببكاء شديد، للدرجة التي جعلت الرئيس الكوري يترك الخطاب المعد مسبقا ويرتفع صوته باكيا: دعونا نعمل بجد لعدم بيع الأجيال القادمة بأي حال من الأحوال. واتجهوا إلى الرئيس الألماني بطريقتهم في التحية يبكون ويرددون "نرجوك ساعد بلادنا ورئيسنا"، فبكى الرئيس وأبكى الرئيس الألماني معه، لتبدأ من هنا رحلة كوريا نحو تحقيق المعجزة.
إن إيمان القيادة بأن طريق التميز هو الأجدر بالسير، وأن التميز ليس هو الغاية في حد ذاته ولكنه السبيل إلى تحقيق مقاصد الأوطان والانتصار في ميدان التنمية، هو الذي يجعل منه حالة عامة، وهذا هو الفرق بين أن تكون هناك إرادة سياسية لتحقيق التميز وبين أن تكون هناك حالات فردية، لا تخلو منها المجتمعات أيا كانت، ولكنها تظل عشوائية تفتقر إلى قوة الدفع والاستمرار وغير منهجية، وبالتالي تضعف قوة تأثيرها في تحقيق نقلة نوعية للمجتمع بكافة جوانبه.
فالعازف مهما كانت مهارته وجمال موسيقاه، لا يمكن أن يقدم عملا فنيا متكاملا ومبدعا دون استكمال باقي أعضاء الفريق الموسيقي، ليعزف المقطوعة الموسيقية ويقوم كل عازف بدوره فيها، وهنا تأتي أهمية كل آلة موسيقية، وقد يسبب غياب أبسطها خللا في جمال الاستماع إليها. كما أنه لا يمكن للاعب الكرة بمفردة أن يحقق بطولة لفريقه، مها كانت مهاراته، دون معاونة بقية اللاعبين، كما أنه لا يمكن القول إن دور رأس الحربة في الفريق أهم من حارس المرمي، ولكن قوة الفريق وفاعليته تأتي من التناغم بين أعضائه، وهذا سر النجاح.
وهذا هو سر السعي الدائم للإمارات التي أصبح التميز حالة عامة فيها، لأن التميز كما أنه يبدأ بنقاط ضوء متفرقة إذا ما وجدت قوة دفع على الأرض تحولت إلى حالة عامة، أو ما يمكن أن نطلق عليه عدوى التميز، فكما أن السلوكيات التي لا نحبها تنتقل بين الناس عبر المحاكاة والتقليد، كذلك التميز حالة تنتقل من فرد إلى آخر، وهذا جزء من تركيبة النفس البشرية، إنها تحب أن تثبت أنها موجودة وقادرة، وحتى على المستوى الأكاديمي ينشط البحث العلمي عندما تكون هناك منافسة بين الباحثين في بيئة مواتية، ويذبل حين يغيب النموذج الذي يحاكيه زملاؤه أو يتنافسون فيه.
ومن أهم محفزات التميز أن يكون هو ذاته معيار التمايز بين الناس، وهذا هو سر بناء الأمم الكبيرة عندما يقدّر الأشخاص بناء على ما يبذلونه من فكر وجهد، وعندما يدرك الفرد أن ترقيه وتفرده بين أقرانه، يتوقف على مقدار عطائه وما يضيفه من فكر وجهد نوعى، يعظّم من النتيجة النهائية.
وإذا لم يجد المتميزون والمبادرون من يصغى إليهم أو يهتم بأطروحاتهم، أصيب الكثير منهم بحالة من البيات الفكري الذي يجعل الفرد يبحث عن بيئة جاذبة تستنهض طاقاته، أما إذا وجد الفرد بيئة مواتية فإنه قد يستخرج من مكنون طاقاته الذهنية والبدنية ما لم يكن يعلمه هو نفسه، وهنا يتعاظم الدور الذي يجب أن تقوم به القيادة الإدارية الواعية، التي تمتلك الحاسة السادسة وبها تستطيع أن ترى التوهج العقلي في فرد دون آخر، فتساند وتدفع وتذلل العقبات، وتبلور الأفكار وتطورها بما يحدث تطورا مجتمعيا شاملا، لأن طريق التميز في الأصل يبدأ بفكرة.