المتابع للوضع العام في الإمارات وقضايا الشبكات الإرهابية التي تضبط في بلدنا يتأكد له حقيقة لا غبار عليها وهي أن مشكلتنا في الإمارات ليست في الظلم والقهر، ولا في الفقر والعوز والحرمان، كما هو الحال في المجتمعات الأخرى التي يأتينا منها ملايين البشر، ولا تتمثل في كبت الحريات المدنية، كما هو الحال في مجتمعات أخرى كثيرة.

ولا في ضعف المشاركة السياسية، لأننا ندرك وبكل صراحة بأننا في أيد أمينة لن نجد أبداً أفضل منها. مشكلتنا تكمن ربما في إفرازات الطفرة الحضارية والتي أنتجت حالة من الاسترخاء الفكري والاجتماعي لدى البعض وحالة من ردة الفعل المبالغ فيها لدى البعض الآخر. من تأثر ولا زال يتأثر بتلك المتغيرات أو بذلك الاسترخاء كثر وهم يعيشون بيننا ولكنهم ينظرون إلى الحقائق بمنظار آخر مختلف عنا، وهم بالتالي لا يرون الأشياء كما نراها نحن ولا حتى كما يراها المقيمون بيننا والذين ينعمون معنا بنعم هذا البلد وخيراته.

كثيرون ينظرون إلى الإمارات والإماراتيين ويغبطونهم على ما يتمتعون به، نعم كثيرة متعددة يودون أن تكون في بلدانهم مثلها أو حتى أقل منها، نعم يأتي على رأسها الأمن والأمان والاستقرار، ونعمة الرخاء الاقتصادي والأكثر من ذلك نعمة تفهم القيادة لأبسط حاجات المواطن ورغباته وسعيها الدائم والحثيث على خدمته وتخفيف مشاق الحياة عنه. نعم كثيرة لا يدرك قيمتها إلا من تشرد في البلدان طلباً للرزق، أو طلباً لحرية تائهة أو فراراً من أوضاع إنسانية غير لائقة في بلدانهم الأصلية.

قد لا نفكر كثيراً عندما نسمع عن المسؤولين الكبار وتلمسهم لأبسط حاجات المواطن العادي، كنقل مواطن مصاب في بلد مجاور لكي يتلقى العلاج في أفضل مستشفى، أو في تعويض مواطن فقد مصدر رزقه، ولا نفكر كثيراً في سعي القيادة الدائم في إيجاد أنجع الحلول لقضايا مجتمعية تشغلنا جميعاً وعلى رأسها الإسكان والصحة والتعليم لأننا نعتقد أن هذه هي وظيفتها، ولكننا قد ندرك هذا الشيء عندما نسمع عن الأوضاع غير المحتملة في البلدان الأخرى والحرمان الذي يدفع المواطن العادي هناك للثورة للمطالبة بأبسط حقوقه والتي نحصل عليها نحن هنا دون عناء.

قضية الخلايا الإرهابية التي يكشف عنها بين الحين والآخر غريبة على مجتمعنا وكشفها يخلق على الدوام ردة فعل عنيفة لدى المواطن العادي لأنها وبكل بساطة تجعله لا يشعر فقط بالقلق ولكن بالغضب نتيجة لسعي فريق صغير خلخلة الأمن وحرماننا جميعاً من أبسط حقوقنا ألا وهو الشعور بالأمن والأمان في بلدنا. هذا الشعور لا يخالجنا نحن فقط بل يخالج جميع من يعيش بيننا وهاجر إلى بلدنا هرباً من أوضاع وواقع مرير تريد هذه الفئة إحداث مثله في بلدنا.

هذه الأفعال تجعلنا نفكر في الدوافع الحقيقية لتلك الفئة؟ هل هو الشعور بالتهديد الحضاري هو ما يدفعها إلى سلوك هذا الاتجاه؟ أم هو الشعور بالاسترخاء المجتمعي والفكري لدى البعض هو ما يدفعها إلى التحرك في محاولة لإيجاد واقع مجتمعي مغاير يجعلنا، حسب ظنهم، نفيق من حالة الاسترخاء تلك إلى حالة من اليقظة والنشاط؟ أم لأنهم وبكل بساطة أمنوا العقاب فأساؤوا التصرف؟

نحن لا ننكر أن حالة الطفرة أنتجت الكثير من المتغيرات الفكرية والاجتماعية، بعضها بسيط يمكن التعامل معه بصورة آنية وإيجاد الحلول له، والبعض الآخر عصي على الحل نظراً لمستجدات إقليمية وعالمية كثيرة ومعقدة. لذا فلا يمكن قياس كل تلك المتغيرات بميزان واحد أو النظر إليها بمنظار أسود لأننا وبكل بساطة نشترك في بعض هذه المتغيرات مع مجتمعات أخرى في العالم تعرضت إلى ما تعرضنا له.

وبكل بساطة لسنا وحدنا من يواجه تلك القضايا ونتعرض لها. فهي ليست صراعاً بين الخير والشر أو بين الممكن واللا ممكن بل هو تحد حضاري من تلك التحديات التي تواجه جميع المجتمعات العالمية على حد سواء، وتجعلها تقف على أهبة الاستعداد لمواجهة إفرازاتها ومعالجة ما يترتب عليها.

ولكن في بلدنا هناك من ينظر إلى ذلك التحدي وكأنه مقصود ومرتب له. أمثال هؤلاء كثر وردود أفعالهم مختلفة بل ومختلطة. البعض يحاول أن يرجع إلى الدين والعقيدة عله يجد فيهما ما يشبع نهمه ويشعره بأنه عضو فاعل وقادر على إحداث تغير إيجابي في المجتمع. البعض الآخر إيجاد تفسير قاصر للوضع، كما يراه هو، والبعض الثالث يتجه إلى الإرهاب عله يجد في أدواته أداة فورية وقوية تصحح له الوضع وتحدث وضعاً مناسباً لتصوره الشخصي.

وعلى الرغم من اختلاف أدواتها إلا أن هذه التيارات تجتمع جميعاً على شيء واحد وهو رغبتها في إحداث التغير الذي يناسب مصالحها وبالتعاون مع جهات لها أهداف وأجندات خاصة. وقد تفتقد تلك التيارات إلى الرؤية الصحيحة للأمور، وقد تفتقد إلى المنهجية والنظرة السليمة للأوضاع، ولكنها تجتمع جميعاً في تجسيد الخطأ وفي محاولة تكرار واقع فشل في مجتمعات أخرى عوضاً عن الحفاظ على واقع ناجح.

هذه التيارات الفكرية تبلورت على مدى العقود الماضية لأنها وبكل بساطة أمنت العقاب. ولولا مساحة الحرية المتاحة لدينا لما طورت استراتيجياتها ونوعت مواردها ورفعت شعاراتها. ولأنها أمنت العقاب أساءت التصرف في مجتمع يحترم حقوق الأفراد ويصون حرياتهم ويحمي أرواحهم. وبما أن إساءة التصرف قد وصلت إلى درجة ملحوظة كان لا بد من إيقافها.

إن الأمن والأمان هما من أبسط حقوق المواطن، ولذا لا يحق لفئة قليلة أن تحتكر هذا الحق وتفرض رأيها وفكرها على الأغلبية. إن الإمارات كانت وما زالت بلداً للجميع. فلا طوائف ولا أفكار أصولية تفرقنا، بل يجمعنا تنمية شاملة ويد ممتدة بالخير إلى الجميع، وفوق كل ذلك تسامح كبير وقبول للآخر حتى المختلف عنا.