كما توقعنا من قبل، كانت الذكرى لثورة يناير في مصر موسماً لإعلان الغضب وتأكيد الرفض لحكم "الإخوان المسلمين" الذي اختطف الثورة ويعمل جاهداً لاختطاف الدولة بكاملها.

في الذكري الثانية لثورة يناير، كان فشل "الإخوان" يتأكد، وكانت ميادين التحرير في كل أنحاء مصر تؤكد تصميمها علي إسقاط "حكم المرشد" وكان العنف حاضراً بشدة مع سقوط أكثر من خمسين شهيداً جديداً، ومع انفلات الأوضاع الأمنية، ثم مع لجوء الرئيس مرسي إلي إعلان الطوارئ وخطر التجول في المدن المطلة علي قناة السويس (بورسعيد والإسماعيلية والسويس) والتي شهدت أسوأ أحداث العنف وسقط فيها معظم الضحايا.

كان واضحاً أن هناك رغبة من الحكم في تصدير الأزمة إلي الجيش، لكن الرهان كان خاسراً، فمن ناحية رفض أهل القناة قرار حظر التجول وحولوه إلى مناسبة لإعلان تمسكهم باستعادة الثورة من قبضة "الإخوان". ومن ناحية أخري تصرفت قيادات الجيش بفهم تام لمساحة الغضب عند أهل المدن الثلاث، وبوعي كامل بالظروف التي تحيط بالموقف وبمخططات جر الجيش إلي صدام علي ضفاف القناة التي يعرف أهلها حجم المؤامرات التي تدبر من الخارج لاستعادة السيطرة عليها والانتقام من قرار عبد الناصر بتأميمها قبل نحو ستين عاماً!!

وكان الرهان خاسراً، لأن من لجأوا إليه لا يدركون الطبيعة الخاصة للعلاقة بين أهل القناة والجيش. إنها رفقة الدم على مدى السنين. فالقناة كانت هي خط القتال الأول في كل الحروب. هنا كانت المقاومة الشرسة للاحتلال البريطاني الذي كان يقيم في منطقة القناة أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط.

وما أن نجحت مصر بعد ثورة يوليو في إجبار الاحتلال البريطاني علي الرحيل، حتى عاد جنود بريطانيا مع الفرنسيين والإسرائيليين في عدوان 56 رداً على قرار تأميم شركة قناة السويس. وهو العدوان الذي تحطم على صخرة الصمود الأسطوري لمدينة بورسعيد التي تحولت إلى " ستالينجراد العرب".

بعدها كانت حرب 67 وصمود مصر لينتهي النضال العظيم بحرب أكتوبر وفيها أيضاً كتبت مدن القناة (وخاصة السويس) صفحة رائعة في تاريخ مصر والعرب.

كل هذا التاريخ كان حاضراً في الأيام الماضية ليمنع أي مخطط لصدام بين الجيش وأهل القناة. وفي هذا الإطار جاء الخطاب الهام لقائد الجيش ووزير الدفاع الفريق السيسي في زيارة غير معتادة للكلية الحربية، حيث أكد أن الجيش سيظل جيش كل المصريين، وأن نزوله لمدن القناة كان لحماية المرافق الأساسية وفي مقدمتها قناة السويس، ثم حذر من استمرار صراع القوى السياسية الذي يهدد بانهيار الدولة.

والملاحظ هنا أنه في الوقت الذي أطلق فيه الدكتور البرادعي مبادرة للقاء عاجل لوقف العنف أدخل فيه وزير الدفاع كطرف فاعل مع رئيس الجمهورية وزير الداخلية. وممثلي جبهة الإنقاذ وحزب الرئيس والسلفيين. فإن رد فعل الرئاسة والإخوان كان سلبياً مع تساؤلات حول معنى إدخال وزير الدفاع كطرف أساسي في الحل، ومعنى أن يجئ الاقتراح من البرادعي بالذات.

على الجانب الآخر، كانت قوات الشرطة تمر بمحنة. الغضب وصل لحد منع وزير الداخلية من حضور جنازة شهيدين من ضحايا الأحداث الأخيرة، واتهامه بالتقصير في تأمين رجال الشرطة أثناء أدائهم لواجبهم واتهامه أيضاً بأنه جاء لموقعه لتنفيذ سياسة مؤيدة للإخوان المسلمين. ثم كان الأخطر مع تمرد قوات الأمن المركزي ورفضها الخروج لمواجهة الخطر وهي لا تملك إمكانيات المواجهة.

التطورات الخاصة بالجيش والشرطة، ترافقت مع تطورات سياسية هامة ربما كان أبرزها هو الموقف المعارض وشديد اللهجة لحكم الإخوان من جانب كبرى الجماعات السلفية وحزبها السياسي "النور" الذي احتل الموقع الثاني في انتخابات مجلس الشعب الذي تم حله. انتقدت الجماعة وحزبها السياسي بشدة الاتجاه إلى "أخونة" الدولة، وإلى التفرد بالسلطة.

وطالبت بإقالة الحكومة والنائب العام الذي عينه الرئيس مرسي بالمخالفة للقانون. وفي لقاء بالغ الأهمية بين "النور" و"جبهة الانقاذ" التي يقودها البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى ورئيس الوفد، كان مثيراً أن يؤكد الطرفان على نفس المطالب، وأن يقول بعد ذلك متحدث باسم حزب "النور" إن الاتفاق كامل بين الطرفين إلا في موضوع واحد وهو الموقف من بقاء الرئيس مرسي أو رحيله!

ولا ينبع الخلاف بين " الجماعة السلفية" و"الإخوان" من الصراع القديم بينهما، ولكنه أيضاً يستند إلى تجربة مريرة في الفترة الماضية. فرغم أن السلفيين ساندوا "الإخوان" في صعودهم، ورغم أن حزب "النور" كان هو الحزب الثاني في البرلمان، فقد حرص "الاخوان" على إبعادهم عن كل مراكز التأثير. ثم كان الأخطر أن حزب "النور" تعرض لانقسام حاد في صفوفه اتهم "الاخوان المسلمين" بأنهم وراءه.

في ظل هذا التطور الذي تؤيده جماعات سلفية عديدة، وشخصيات إسلامية لها حضورها الجماهيري، لم يعد الموقف كما كانت جماعة "الإخوان" تحاول تصويره للجماهير بأنه خلاف بين الإسلام وخصومه.

الآن يبدو الموقف أكثر وضوحاً باعتباره صراعاً سياسياً بين جماعة تريد أن تستحوذ على الحكم وأن تقيم فاشية جديدة تتخفى وراء الدين الحنيف، وبين القوى الوطنية التي تحرص على دولة لكل المصريين.

وبينما تتعدد المبادرات لمحاولة احتواء العنف وتجنب الفوضى، يبدو الموقف شديد الخطورة، فالحكم رغم كل الفشل الذي حققه مازال يراوغ في قبول المطالب الأساسية التي تصر عليها القوى الوطنية، بدءاً من تغيير الحكومة وتعديل الدستور، وحتى وقف "أخونة" مؤسسات الدولة والضمانات المطلوبة للانتخابات القادمة.

ومن ناحية أخري تدرك قوى أحزاب المعارضة أنها فقدت الكثير في المرحلة الماضية بلجوئها للمساومات مع "الإخوان المسلمين" وأنها إذا لم تحسم الأمر لمصلحة استعادة الثورة وإنهاء عملية الاختطاف التي قامت بها الإخوان، فإن الشارع سوف يأخذ زمام المبادرة، بكل ما يعنيه ذلك من احتمالات!

الثورة جددت نفسها. حلم "الإخوان المسلمين" بالاستحواذ والتمكين سقط. أي حل يتجاوز هذه الحقيقة لن يكتب له النجاح. لم يعد هناك مجال للشك في أن مصر لن تخون نفسها، ولن يحكمها الفاشيون الجدد.

السؤال لم يعد سقوط "الإخوان"، بل عن مولد البديل من رحم الثورة التي جددت نفسها واستعادت زمام المبادرة.