أغلب المراقبين الأمريكيين قرأوا خطاب أوباما الذي ألقاه يوم تنصيبه لولاية ثانية، باعتباره "تدشينا لمرحلة جديدة" ليبرالية، وربما حتى تقدمية، تختلف عن مواقف يمين الوسط التي اتخذها الرئيس الأمريكي خلال مدة ولايته الأولى، إلا أن الكثير مما قاله أوباما في ذلك الخطاب وما جاء بين السطور، بل وما لم يقله أصلا، يتعارض مع تلك القراءة، ومن ثم ينبغي أن نحذر نحن العرب من رفع سقف التوقعات.
فالرئيس الأمريكي تحدث عن بلاده كصانعة للسلام، فهو أكد على أن "الأمن المستمر والسلام الدائم لا يتطلبان حربا دائمة". وبعد أن صرح بأن "عقدا من الحروب يأتى الآن لنهايته"، تعهد بحماية الشعب الأمريكي عبر "السلاح ودولة القانون"، غير أن الواقع على الأرض يقول إن عقد الحروب لن يأتي لنهايته في المستقبل المنظور. فالانسحاب من أفغانستان ليس متوقعا في المستقبل القريب، والرئيس بنفسه قال إن بعض القوات الخاصة ستظل هناك، فضلا عن بقاء قوات أخرى بغرض التدريب تترواح بين 6 آلاف وعشرين ألفا.
أكثر من ذلك، فإن الحرب عن بعد، إذا جاز التعبير، ستظل قائمة في كل الأحوال. فالولايات المتحدة استخدمت الطائرات بدون طيار في عهد أوباما بدرجة أكبر بكثير من عهد بوش الابن. وتلك الطائرات التي يتم توجيهها بالضغط على الأزرار عن بعد من مواقع داخل الولايات المتحدة، تتحرك بناء على قائمة اغتيالات يحددها الرئيس، فتقوم بغارات يروح ضحيتها، إلى جانب المستهدف، مئات المدنيين الأبرياء. وهي حرب تشنها أمريكا دون أن تدخل قواتها أية معارك، ودون أن تخسر جنديا واحدا.
وما قاله أوباما عن نهاية عقد الحروب، يتجاهل تلك الحرب تماما، لأن أوباما لا يعتبرها حربا من الأصل، فهو قال ذلك صراحة عندما لم يتقدم للكونغرس بطلب للموافقة على التدخل العسكري في ليبيا، حيث صرح وقتها بأن ذلك التدخل لا يستوجب موافقة الكونغرس، لأن الجنود الأمريكيين ليسوا معرضين خلاله لأى خطر على الإطلاق. ورغم عنصرية ذلك التعريف الفريد للحرب، إلا أنه يعني بالضرورة أن عقد الحروب لن ينتهي، لأن القتل بالريموت كونترول مستمر حتى إشعار آخر، بل ويتم التوسع في نطاقه ليشمل دول جديدة باستمرار.
وأوباما تعهد بدعم بلاده للديمقراطية في العالم، "من آسيا لإفريقيا ومن الأمريكتين للشرق الأوسط". وهو في الحقيقة تعهد لا يرتبط بالليبرالية الأمريكية وحدها، وإنما باليمين الأمريكي أيضا، ولا يزيد عن كونه خطابا لطيفا موجها إلى الرأي العام الداخلي لتأجيج فخره ببلاده، وإلى الدول التي تتحدى السياسة الأمريكية فقط. فأمريكا لم تدعم الديمقراطية في أي مكان في العالم ضد نظام قمعي حليف لها لا يتحدى مشروعها السياسي والاقتصادي، من تشيلي إلى مصر.
والرئيس الأمريكي حين تحدث عن شبكة الأمان الاجتماعي، التي يسعى اليمين الأمريكي لتفكيكها أو خصخصتها، قال إن برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية لكبار السن والمساعدة الطبية للفقراء "تدعم قوتنا"، وأضاف "إننا نرفض الاعتقاد بأن الولايات المتحدة عليها أن تختار بين رعاية الجيل الذي بنى هذه الأمة، والاستثمار في الجيل الذي سيبني مستقبلها". وهو استخدم عبارة تأتي فعلا من قاموس الفكر الليبرالي، حين أضاف أنه "مهما أدار المرء حياته بشكل مسؤول، فإنه معرض لفقدان وظيفته أو للمرض المفاجئ أو لفقدان بيته بسبب عاصفة جوية عاتية". ورغم أن ما قاله أوباما يمثل بالفعل خطابا ليبراليا في هذا الصدد، إلا أنه من الصعب أو يعدو كونه خطابا في ضوء المواقف التي اتخذها أوباما قبل أسابيع، والتي أعلن فيها صراحة أن كل تلك البرامج تظل على مائدة التفاوض مع الكونغرس.
غير أن ما جاء بين السطور في خطاب أوباما، يتناقض أيضا مع الفكر التقدمي. فأحد الأمور اللافتة للانتباه في خطاب الرئيس الأمريكي ذي الأصول الإفريقية، هو أنه تحدث ضمنيا عن كفاح الأمريكيين من أصل إفريقي وكأنه قد حقق منتهاه. فهو قال "تعلمنا أنه لا يمكن لاتحاد بني على مبادئ الحرية والمساواة، أن يعيش طويلا بينما نصفه من الأحرار ونصفه الآخر من العبيد. لذلك صنعنا أنفسنا من جديد وتعاهدنا على أن نتحرك للأمام معا". ولم يأت خطاب الرئيس ولو مرة واحدة، على ذكر العنصرية التي لا تزال تطل برأسها القبيح، ليس فقط تجاه السود وإنما تجاه غيرهم من الأقليات.
غير أن المسكوت عنه في هذا الخطاب هو الأكثر خطورة على الإطلاق، ويعني أن أي حديث عن "تدشين مرحلة ليبرالية تقدمية في أمريكا في ولاية أوباما الثانية"، فكرة لا تصمد أمام أي تحليل موضوعي. فالخطاب الذي وصف بأنه يدشن مرحلة تقدمية جديدة، لم يأت فيه على الإطلاق أي حديث عن الحريات المدنية! فأوباما تحدث عن المساواة والحقوق المدنية للمرأة والمهاجرين والمثليين، ولكنه لم يذكر ولو مرة واحدة الحريات المدنية. وحتى حين تحدث عن الكرامة، فإنه تحدث عنها بمنطق اقتصادي لا سياسي، إذ ربطها بتكاليف الرعاية الصحية وبرامج الضمان الاجتماعي.
ولا يجوز بأي حال الاعتقاد ببداية حقبة تقدمية أو حتى ليبرالية، لا تتم فيها استعادة الحريات المدنية التي فقدها الأمريكيون. فمنذ 11 سبتمبر، تعرضت الحريات المدنية في أمريكا لقصف منظم في عهد بوش، وكان الأمل أن يتوقف ذلك المنهج في عهد أوباما، إلا أن المفاجأة كانت أن أوباما "الديمقراطي" استكمل كل الممارسات التي بدأت في عهد بوش، بل قنن بعضها وتوسع في بعضها الآخر.
كيف، إذن، لرئيس يتوسع في "الحرب عن بعد" في الخارج، ويستمر في قصف الحريات المدنية في الداخل، أن يكون هو نفسه على وشك تدشين مرحلة من السياسات التقدمية في بلاده؟!