يطرح حالياً مفهوم «المسؤولية الاجتماعية» للدلالة على الدور الذي يتعين على شركات القطاع الخاص أن تسهم به لدمج مشروعات العمل الاجتماعي، وذلك باستقطاع نسبة مقدرة من الأرباح التي تحصل عليها، جراء تنازل الدولة لها لتنفيذ مشروعات البنية التحتية، والعديد من المشروعات اللوجستية ذات العلاقة بتجارة الخدمات.
وثمة سؤال مطروح، لماذا لم يتم التوفيق بين مؤسسات الدولة لتأسيس شراكة مفصلية مع القطاع الثالث، وبمستوى يتقارب مع ما تم مع القطاع الخاص؟
إن القطاع الثالث، الذي يعرف في الدول النامية والناشئة باسم القطاع الأهلي أو منظمات المجتمع المدني أو الجمعيات ذات النفع العام، وكلمة «أهلي» تشير إلى ارتباط هذه المنظمات الوثيق بالقاعدة العريضة من السكان، وتعبيرها عن مبادرات صادرة أصلاً من الأهالي والسكان المحليين.
والقطاع الأهلي بكل المقاييس، لا يقل أهمية عن القطاع الخاص، لاعتبارات عديدة، من أهمها أنه يعتبر الناطق الرسمي بلسان قطاع عريض من أبناء المجتمع، كما أن القيادات المسؤولة عن القطاع الثالث، قوامها نشطاء وقياديون في ميادين العمل الاجتماعي أو الإنساني، أو غيره من الميادين الرحبة الموصولة بحياة السواد الأعظم من الناس.
ومع أهمية القطاع الثالث، إلا أنه لا يحظى بما يستحقه من اهتمام، رغم ارتباطه الوثيق بالمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تشهدها المنطقة والعالم.. وهناك مجموعة من العوامل الموضوعية، أدت إلى تزايد أعداد هذه الجمعيات، كما تعددت منطلقاتها وأهدافها..
ومع أن معظمها يركز على العمل الخيري والإنساني، وتحديداً مكافحة الفقر ورعاية المعاقين والفئات الخاصة، والصداقة بين الشعوب (الدبلوماسية الشعبية)، إلا أن المتتبع يلاحظ ظهور ميادين جديدة لم تكن مطروقة، نتيجة تنامي الوعي المعرفي في عصر الفضاء المفتوح وشبكات التواصل الاجتماعي، ما وسع من ارتباط أفراد المجتمع بقضاياهم، متأثرين بالأدوار النشطة للجمعيات والمنظمات الإقليمية والدولية في كافة المجالات..
ولا بد أن التغيرات التي طرأت على هذا القطاع، في جانب كبير منها، هي انعكاس وامتداد لخبرات تراكمية، أبرزت تصاعد دور القطاع الثالث في كافة دول العالم، وعلى نحو أخص، دور الجمعيات الدولية غير الحكومية.
ولعل من المهم في سياق البحث عن دور فاعل لجمعيات ومنظمات القطاع الثالث، الإشارة إلى انعدام المقارنة بين القطاع الخاص والقطاع الثالث.. فالأول اقتصادي استثماري وربحي، والثاني تطوعي ومجتمعي.
ولعل ذلك ما جعل بعض الحكومات أكثر ميلاً لتطوير وتقوية علاقاتها مع القطاع الخاص، ومع ذلك لا تغفل أي حكومة دور القطاع الثالث، إذ تتولى مهمة إشهار الجمعيات والإشراف والرقابة عليها.
ما يهمنا تأكيده، هو أن التطورات والمتغيرات المتسارعة، أدخلت القطاع الثالث في ملعب الأحداث، ومن ثم، فإنه من العسير إغفال دوره في الحياة المعاصرة، مع الأخذ في الاعتبار مجريات الأحداث وتداعياتها، ذلك أن حالة الخمول التي يعانيها العديد من الجمعيات ذات النفع العام، ليست مبرراً لإغفال أو تهميش أو التقليل من تأثيرها حاضراً ومستقبلاً.
وفي ظني أن الجهات المسؤولة عليها فتح ملف الجمعيات الأهلية ذات النفع العام، وإعادة قراءته في سياق مجريات الأحداث الإقليمية والدولية، فنحن نعيش في عصر عالمية المجتمع المدني، وازدياد ارتباط الجمعيات والمنظمات بعضها ببعض، مع تزايد عدد المنظمات التي انضمت إلى لجنة المنظمات غير الحكومية في الأمم المتحدة (الايكوسوك)، التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وجاء تكوينها لتبادل خبرات وتجارب الدول في كافة مجالات العمل الأهلي الطوعي.
وتعتبر المؤتمرات والدورات التدريبية وورش العمل، من آليات التواصل بين الجمعيات وبناء قدرات الكوادر العاملة في مجالات العمل التطوعي والإنساني.
وفي تقديري، أن الوقت صار مناسباً لتأسيس اتحاد للجمعيات الأهلية ذات النفع العام، وذلك بالاستعانة بمن لديهم باع طويل في مضمار العمل التطوعي بكافة مجالاته.. والأمل أن يصبح القطاع الثالث شريكاً فاعلاً وأكثر إيجابية، خصوصاً في الظروف التي تعيشها المنطقة، والتي تتطلب رفع شعار الوحدة الوطنية، والتلاحم مع القيادة، دفاعاً عن المصالح العليا للوطن.