معذرة إلى القارئ الكريم، إذا بدا من عنوان المقال أنه موجه للأطفال، وهو ليس كذلك، فلو كان موجهاً للأطفال لما سمح الإخوة المشرفون على صفحة الرأي في «البيان» بنشره في هذه الصفحة الموجهة إلى ذوي الرؤوس الكبيرة، الذين تسلل اللون الأبيض إلى شعورهم، أو ما تبقى منها، مع أن البياض لم يعد يفرِّق هذه الأيام بين رؤوس الكبار والصغار، لهول ما يرون ويسمعون ويعيشون من أحداث.
ومعذرة أيضاً إلى أطفالنا الصغار للزج بهم في هذا الموضوع، وانتهاك براءة عالمهم من قبلنا نحن الكبار، الذين لم نكتف بإفساد عالمنا الذي ودّع البراءة منذ أمد بعيد، فاقتحمنا عالمهم الذي أصبح عليه أن يدافع عن براءته التي تتعرض لهجمات الكبار، وغزواتهم ونزواتهم التي لا مبرر لها سوى الرغبة في تخريب عوالم الآخرين، مثلما فعلوا بعالمهم، دون أن يضعوا لهذه الرغبة حدوداً أو رادعاً.
عالم «أطفال الديجيتال» عالم خيالي من صنع الرسامين اليابانيين، الذين اعتمدوا أسلوب رسم «المانغا» في إنتاج أفلام رسومهم المتحركة، وهو أسلوب يختلف عن أسلوب الرسوم المتحركة الأميركية، تتميز ملامح شخصياته بنسب تعادل نسب ملامح الإنسان العادي.
وقد أطلق اليابانيون اسم «أنمي» على رسومهم المتحركة، التي بدؤوا إنتاجها في أوائل القرن العشرين، بفيلم مدته دقيقتان عن «ساموراي» يجرب سيفاً جديداً، لكنه ينتهي بفشل ذريع.
تبدأ سلسلة «أبطال الديجيتال» اليابانية بسبعة أطفال يتم سحبهم من مخيم صيفي إلى بُعد غريب يسمى «العالم الرقمي»، ليكتشفوا أنهم هبطوا في مكان تعيش فيه مخلوقات رقمية تسمى «ديجيمون»، وأنهم الأمل الوحيد للقضاء على الشر الذي يبيد العالم الرقمي ببطء، فتنطلق مجموعة الأطفال محاولة إنقاذ العالم الرقمي من الفيروسات والمعتدين، بمساعدة مرافقين تمت برمجتهم مسبقاً، وذلك في إطار حكاية خيالية تمزج الواقع بالعلم والأسطورة، لينتهوا بإنقاذ العالم الحقيقي من قوى الشر التي تهدده وتسعى إلى تدميره، وذلك من خلال مغامرات تجسد الصراع الأزلي بين الخير والشر.
«أبطال الديجيتال» في المسلسل الكرتوني، الذي دُبلِج إلى لغات عدة، شخصيات خيالية تحاول مقاربة الواقع، أما على أرض الواقع، فهناك شخصيات حقيقية تعيش بيننا، تحاول أن تتقمص دور «أبطال الديجيتال»، موهمةً إيانا بأنها قادرة على تغيير هذا الواقع، وتحويل اللون الأسود إلى بياض ناصع.
هؤلاء لم يتم سحبهم من أي مخيم، كما حدث مع «أبطال الديجيتال» الأصليين، ولكنهم ما زالوا مقيمين في مخيماتهم وصوامعهم، وإن كانوا يحاولون أن يوهمونا بأنهم قد هبطوا علينا من السماء، محفوفين بالعناية الإلهية، مزودين بالمعجزات السماوية، محصنين ضد الأخطاء البشرية، لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.
هؤلاء الأبطال الطارئون، عادةً ما يتصفون بدرجة عالية من «الشوفينية» والاستعلاء والعنصرية، فإذا كان الواحد منهم منتمياً إلى جماعة، فإن جماعته تلك هي أفضل الجماعات، وإذا كان منتمياً إلى حزب، فإن حزبه ذاك هو أفضل الأحزاب، وإذا كان منتمياً إلى فكرة أو عقيدة، فإن فكرته وعقيدته هي أفضل الأفكار والعقائد.
وانطلاقاً من هذه القاعدة، يصبح بعض الشعارات والمصطلحات التي تفضل فصيلاً على فصيل، مقبولة لدى «أبطال الديجيتال» الجدد الذين يرون أن الخير معقود بنواصيبهم هم فقط، وأن الشر معقود بنواصي غيرهم، إلى يوم القيامة، وهو اعتقاد خاطئ يرسخ فكر الاتجاه الواحد، ويقصي الآخرين الذين لا يتفقون مع أصحابه في الرأي.
«أبطال الديجيتال» الجدد منتشرون في كل المجالات والقطاعات والأماكن، فهم موجودون في عالم السياسة، مثلما هم موجودون في عوالم الاقتصاد والأعمال وغيرها. القليل منهم دخلوها من بابها الأمامي، وأكثرهم دخلوها من الأبواب الخلفية، لكن الغريب أن الذين دخلوها من الأبواب الخلفية، أشد بأساً وأعلى صوتاً وأقوى شكيمة من الذين دخلوها من الأبواب الأمامية، فهم متنفذون، رغم أنهم غير مخولين، وهم متصرفون رغم أنهم غير معنيين، وهم حاكمون رغم أنهم غير منتخبين.
هؤلاء صنف يلقى رواجاً في أوقات الأزمات والحالات الضبابية، خاصة عندما تقف الشعوب على مفترق طرق وتفقد البوصلة، فلا تعرف في أي اتجاه هي سائرة، ولا أي طريق هي سالكة، ولا إلى أي مصير هي آيلة. ولعل وقتنا هذا هو أفضل مثال لانتشار «أبطال الديجيتال» الجدد في أروقة السياسة، وارتفاع أصواتهم في كل مكان، وبروز قوتهم وعلو شأنهم في كل ميدان.
على هذا المنوال ينتشر «أبطال الديجيتال» الجدد في كل الأماكن، والغريب أنهم الأكثر ضجيجاً، والأسرع وصولاً، وربما الأكثر نجومية، لكنهم الأقصر نفساً، والأقل قدرة على الصمود، إذ سرعان ما ينطفئون وتزول عنهم الهالة التي كانت تحيط بهم، لأن «أبطال الديجيتال» الحقيقيين يعرفون أنهم يمثلون دوراً في حكاية خيالية تمزج الواقع بالأسطورة، أما «أبطال الديجيتال» المزيفون فيعتقدون أنهم يعيشون الواقع الذي يقومون فيه بأدوارهم، لذلك هم يصدقون أنفسهم، ويظنون أنهم أبطال حقيقيون، وليسوا ممثلين على مسرح سوف تغلق ستارته في لحظة من اللحظات، قد لا تكون معروفة.
لهذا فإن «أبطال الديجيتال» الحقيقيين يبقون في الذاكرة، حتى عندما يكبر الصغار الذين يشكلون أغلب جمهورهم، أما «أبطال الديجيتال» المزيفون، فسرعان ما يتلاشون من الذاكرة، رغم أن أغلب جمهورهم من الكبار، لكنهم كبار بلا ذاكرة، أو هم كبار بذاكرة مثقوبة، يتساقط منها الكثير على طرق الحياة المتشعبة.