كل يوم تثبت الإمارات أن سيرها في طريق النهضة العمرانية والحضور والريادة العالمية، إنما يحدوه باستمرار البعد الإنساني العميق لجوهر هذا الرقي، وذلك بالنظر إلى واقع الإنسان على ظهر أرض الدولة، بغض النظر عن جنسيته أو وظيفته أو عمله، لأن القيادة الرشيدة والحكومة تدركان أن الإنسان قبل العمران، وأن ضمان الحقوق مقدم على مطالبات الواجبات.

هذا الذي نقوله يخرج من ظلال النظر الدائم في حقوق العمالة في الدولة من قبل الحكومة، عبر البحث باستمرار عما يصون حقوقها ويضمن راحتها ويكفل لها الأمن الإنساني الوظيفي، حتى لا يتم استغلالها من أي طرف على أرض الإمارات، وهي تلزم نفسها بمواثيق أخلاقية أصيلة تحملها على ذلك، قبل أن تنتظر إلزامها بمواثيق دولية أو حقوقية عالمية.

قبل فترة غير بعيدة، حازت الإمارات على قدر واسع من الإشادات الإقليمية والدولية، بتطبيقها أحد أنظمة صيانة حقوق العمالة، والذي تمثل في "نظام حماية الأجور"، بالنظر إلى ما يتضمنه من آلية تضمن حقوق العمال، حتى اعتبرته منظمة العمل العربية تجربة فريدة ومهمة لابد من العمل والسعي على تعميمها في باقي الدول العربية، في حين أكدت منظمة العمل الدولية أنه نظام حقوقي إنساني مبتكر، يصلح للاستفادة منه على الصعيد الدولي.

والحقيقة التي يعرفها المراقبون والمهتمون بالشأن الحقوقي، أن هذا النظام الذي حاز الثناء الإقليمي والدولي، إنما هو واحد من العديد من الأنظمة الكفيلة بصيانة حقوق العمالة المطبقة في الدولة، من مثل نظام التأمين الصحي لجميع فئات العمال، الذي يكفل علاجهم وتقديم الخدمات الصحية والطبية لهم كباقي فئات المجتمع من دون أي تمييز.

وقرار حظر العمل وقت الظهيرة تحت أشعة الشمس في الأماكن المكشوفة، من منتصف يونيو حتى منتصف سبتمبر كل عام، والمحاكم العمالية التي تنظر في شكاوى العمال بحيادية، ونظام التصديق الإلكتروني على عقود العمل عبر "الإنترنت"، الذي يوفر أكبر حماية لمصالح العمال الأجانب، ويمكنهم من معرفة حقوقهم والحصول عليها كاملة.

وبالتالي يتيح لهم الفرصة لقبول العرض أو رفضه قبل مغادرة بلادهم الأصلية، كما حققت الدولة خطوات لافتة في ملف السكن العمالي، انطلاقاً من الحرص على حماية الحقوق العمالية التعاقدية المؤقتة، مع الالتزام الكامل بمواصلة تطبيق منظومة التشريعات والمبادرات والأدوات الرقابية، التي من شأنها ضمان مصالح طرفي الإنتاج، وتوفير الحماية للعمال بما في ذلك ما يتعلق بالسكن العمالي والتأكد من التزام المنشآت بالمعايير العامة والاشتراطات المتقدمة المتوافقة مع المعايير الدولية.

ولعل مما يتصل بهذا الشأن، المنهجية الدقيقة التي اعتمدها الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، للتعامل مع التوقفات العمالية في الدولة التي أعدتها اللجنة العليا لإدارة الأزمات العمالية، التي تمثل الإدارة العامة لحقوق الإنسان في شرطة دبي والأمانة العامة لها، بحيث تقوم هذه المنهجية على مبدأ واضح يؤكد نهج الدولة في الوقوف مع العمال المطالبين بحقوقهم، ضمن سياق يكفل عودة الحقوق لأصحابها، ويحفظ الأمن الذي هو مصلحة مثلى لجميع من يقيم على أرض الدولة، بمن فيهم العمال أنفسهم.

هذه المواقف تترجمها على أرض الواقع الزيادة المطردة من العمالة الوافدة في الدولة، والتي تدل بشكل واضح على أن العمالة الوافدة في الإمارات تحظى بمنتهى الرعاية وضمان الحقوق، مع حرص الحكومة على تطوير معاييرها القانونية وتطبيق سياسات تستهدف استيعاب أكثر من مئتي جنسية وافدة إلى الدولة، ووضع قوانين وسياسات لضمان أن تشعر العمالة الوافدة بالترحيب والأمان، وأن تعرف حقوقها جيداً وكيفية حماية تلك الحقوق.

بعد ذلك لا يعنينا المتصيدون في المياه العكرة لحالات فردية هنا وهناك، ليجعلوا منها أسطوانة مشروخة يصدّعون بها رؤوسنا في حقوق الإنسان، وكأن مجتمع الإمارات من كوكب آخر لا يمكن أن يقع فيه ما يحدث في غيره من المجتمعات البشرية! ونحن بلا شك، نسعى إلى أن نقارب هذا الأمل وأن نحققه، إلا أنه في جوهره يخالف طبيعة المجتمعات..

لكن، متى يكون الأمر خطيراً؟ حين يكون القضاء بعيداً عن سماع أصوات هؤلاء المهضومة حقوقهم، وهو ما لا نجده أبداً في مجتمعنا، ولا تزال الحكومة تبتدع الطرق والوسائل لتيسر للعمال الوصول إلى حقوقهم من أيسر الأبواب، تحت مظلة القانون.