على الرغم من محبتي وتقديري الكبيرين للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والمحاولات الكثيرة التي قام بها لإقناعي للبقاء في دبي مديرا لإذاعة صوت الساحل، وإنشاء محطة تلفزيون تبث إلى جانب البرامج المميزة فقرات إعلانية، فضلا عن إتاحة الفرصة لي لكي أدير شركة إعلانات خاصة بي، فإنني قدرت هذه المبادرات الكريمة كلها، لكنني في نهاية المطاف لم أواصل البقاء في دبي، وإنما نفذت ما كنت قد أعددت له من اتخاذ بيروت مقرا جديدا لعملي.
عدت من دبي إلى القاهرة، حيث وجدت أن من الصعب أن أعيش من مردود الكتابة، ثم تم إبلاغي بأنني إذا اخترت تأليف كتابين للأطفال فإنهما سوف ينشران مع رسومات إيضاحية يبدعها فنانون أقوم باختيارهم. ولم تكن فكرة الكتابة لأطفال قد خطرت في بالي، ولكنني وافقت فعلا على تأليف هذين الكتابين، وكنت قد أصررت على أن يكون أحدهما مختارات من حكايات تدور حول شخصية جحا الأسطورية.
وقد تألف الكتاب الأول من قصص للأطفال مأخوذة من الأدب الكلاسيكي من هنا وهناك، ولكن الكتاب الثاني هو الذي اجتذب معظم الانتباه وحقق مبيعات أكبر، وقد أقنعتني هذه الحقيقة بتأليف المزيد من الكتب حول هذه الشخصية التي تحظى بحب الكثيرين.
ثم ذات يوم أقبلت ناشرة من نيويورك، واتصلت بي بشأن ترجمة كتاب يدور عن قطة من تأليف كاتبة مشهورة من بيروت. وقد وافقت على القيام بهذا طالما أنه سيتم استبعاد فقرة تصف كيف أن صاحبة القطة التي خافت على أثاثها من الخربشات، طلبت تقليم مخالب القطة. وعلى الرغم من أن هذه العملية كانت ستجري بعد تخدير القطة، إلا أنني اعترضت على إدراج هذا الجزء في القصة، وجادلت بالقول إن المسألة ليست ما إذا كانت القطة قد عانت آلاما من جراء هذه العملية، وإنما أن القطط قد خلقت بمخالب، وإزالتها سواء أكانت مؤلمة أم لم تكن، هي في حد ذاتها عمل قاس.
خلال هذا الوقت، وقعت أحداث سبتمبر، فتلقيت رسالة قصيرة من الناشرة الأميركية تبلغني فيها بأنها لا ترغب في مواصلة التعاون مع شخص من العالم العربي، فقررت ألا أرد عليها. وبعد 6 أشهر كتبت لي قائلة إنها تود أن أترجم كتاب القطة، ووافقت على إزالة فقرة المخالب من نص الكتاب.
وكنت قد انتهيت لتوي من ترجمة الكتاب الذي يدور حول القطة، وتلقيت مكافأة ممتازة عن جهودي عندما ظهرت الناشرة النيويوركية مجددا في القاهرة، وأبلغتني هذه المرة بأنها قد قيل لها إنني قد ألفت العديد من الكتب عن شخصية معروفة باسم جحا، وأنني خبير في هذا الموضوع. وسألتني: هل لك في اختيار عشرين قصة عن جحا لكي أقوم بنشرها؟
بعد أن اخترت القصص وألفت الكتاب، تلقيت رسالة شكر من نيويورك مرفقة بشيك ذي قيمة جيدة.
بعثت إلى الناشرة النيويوركية بخطاب شكر، وذكرتها بأن كتب القصص التي تدور حول جحا تقتضي جميعها رسوما إيضاحية مناسبة، وتساءلت عما إذا كانت قد شعرت بأن هناك فنانين في أميركا قادرون على تنفيذ مثل هذه المهمة؟ ولم أتلق ردا على هذا الخطاب. وبعد عدة أسابيع أدهشني أن أتلقى في البريد، مجلد قصص جحا وقد تم إبداعه بالاستعانة بصور نفذها الفنانون أنفسهم من خان الخليلي في القاهرة، الذين أبدعوا مشاهد بأسلوب الخيامية الذي يعتمد على القماش منذ العصور الفرعونية.
كيف لم يخطر هذا على بال أحد قط في مصر؟ وقد بادرت بكتابة خطاب شكر وتهنئة، واقترحت إرسال نسخة من الكتاب إلى الناشر المصري إبراهيم المعلم، الذي تأثر مثلي كثيرا، وطلب من الناشرة النيويوركية أن تسمح له بأن يحذو حذوها.
وهكذا أطل كتاب عن حكايات جحا باللغة العربية، مصحوبا برسوم إيضاحية من إبداع حرفيين من الموسكي.