صدر في مطلع نوفمبر من العام المنصرم، مشروع قانون اتحادي شامل لحقوق الطفل بعد طول انتظار. ويعتبر صدور هذا القانون إضافة ثروة لجهود دولة الإمارات العربية المتحدة للدفع في اتجاه تعزيز التشريعات الاجتماعية والارتقاء بها، فضلا عن تمكين جهود المنظمة الدولية التي توجت بصدور اتفاقية حقوق الطفل التي أجازتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وصادقت عليها الدول الأعضاء عام 1998.

وتعد هذه الاتفاقية الدولية من أهم وأكثر اتفاقيات حقوق الإنسان تقدما، ويكفي القول إنها أكدت حق كل طفل في الحياة والبقاء والنمو والتطور، فضلا عن تلقي الرعاية الصحية والتعليم الأساسي كحد أدنى، وبذلك تم كسر الفجوة المعرفية التي عزلت الحقوق القانونية والاقتصادية عن الاجتماعية والمدنية.

ومن هذا المنطلق أمكن اعتبار اتفاقية حقوق الطفل إطارا مرجعيا لتسترشد به الدول الأعضاء عند صياغتها لمشروعات قوانين للطفل خاصة بها.

وقد كان لمساهمات مجموعة من الدول العربية، مثل الأردن وتونس والسعودية والسودان ومصر والكويت، دورها في صياغة بنود القانون، مع ملاحظة أن غالبية الدول العربية تحفظت على المواد (14)، (20)، (21) باعتبارها تتعارض مع الشريعة الإسلامية، كسوريا والسعودية والسودان، ومع ذلك صادق معظم الدول العربية على الاتفاقية بدءا من عام 1990، وقد صادقت الإمارات على الاتفاقية في 3/1/1997 ودخلت حيز التنفيذ في 2/2/1997.

والمعروف أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تشتمل في مجملها على 54 مادة، بينما نجد أن مشروع القانون الإماراتي يحتوي على 72 مادة. ودون الدخول في مقاربات بين القانونين، يلاحظ القارئ أن القانون الإماراتي استوعب، بل وتجاوز الاتفاقية الدولية، بإضفاء التجربة الإماراتية ممثلة في خصوصية المجتمع والتجارب المستفادة.

وفي تقديري أن القانون الإماراتي جاء محصلة لسلسلة من الجهود المتواصلة، كالندوات والمبادرات وورش العمل التي بادرت بتنظيمها وزارة الداخلية ممثلة في اللجنة العليا لحماية الطفل، بالتعاون مع مشروع برنامج الحماية في جامعة جون هوبكنز والمركز الدولي للأطفال المفقودين والمستغلين. إضافةً إلى الندوات والحلقات النقاشية المتواصلة التي تنظمها شرطة دبي.

كما نظم الاتحاد النسائي العام في 26/6/2012 ندوة حقوق الطفل بالتعاون مع معهد التدريب والدراسات القضائية، وساهمت وزارة العدل حيث تم التداول حول الجانب التشريعي لحقوق الطفل والتعرف على تجربة دبي في حماية ورعاية الطفل.

وفي ظني أن العصف الذهني الذي صاحب هذه الملتقيات، أسهم بفعالية في مد صناع القرار ولجنة الصياغة بحصيلة وافرة من المعلومات ذات العلاقة بواقع الطفل، فجاء صدور القانون في 14/11/2012 بعد إجازته من مجلس الوزراء، ليشمل جميع حقوق الطفل، ولعل من أهمها أن القانون الإماراتي أكد على مسلمات وثوابت أساسية، من بينها أن لجميع الأطفال حق التمتع بهذه الحقوق، دون تمييز بسبب الأصل أو الدين أو الموطن أو المركز الاجتماعي، داعيا إلى اتخاذ جميع التدابير لضمان أولوية حق الحياة وحق الطفل في الأمان على نفسه والتعبير عن آرائه، وحماية خصوصيته وحقه في الحماية والرعاية، والإغاثة في حالات الكوارث والطوارئ، بحيث يحظى الطفل بالأولوية في جميع الحالات، دون إغفال لكفالة حقوق من يتولى رعايته.

كذلك أكد القانون الإماراتي على بنود تكفل للطفل حق الحماية من مخاطر التلوث البيئي والإصابة بالأمراض المعدية، ومن بيع التبغ والمنتجات الكحولية للأطفال، وحظر التدخين في وسائل المواصلات العامة أثناء وجودهم داخلها، فضلا عن ضمان الرعاية الأسرية كحق التنشئة الاجتماعية والصحة والتعليم، وحظر القانون كافة أشكال العنف في المؤسسات التعليمية.

أما في مجال الحماية الثقافية للأطفال، فقد حظر القانون تداول أو عرض وحيازة أو إنتاج أي أعمال مرئية أو مسموعة أو مطبوعة أو ألعاب الكترونية، تخاطب الغرائز الجنسية أو تشجع على الانحراف. وفي ذلك منع القانون استخدام الأطفال في تصوير أو تسجيل أو نشر أو توزيع أي مواد إباحية، مشددا العقوبة على ذلك لتصل إلى خمس أو عشر سنوات وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف درهم.

من جهة أخرى، أكد القانون على حماية الأطفال من الاستغلال وسوء معاملة الأطفال أو تعريضهم للإهمال أو التسول أو التشرد، أو تعريض سلامتهم البدنية أو توازنهم النفسي والعاطفي والأخلاقي للخطر.

ولضمان تنفيذ فعال، حدد مجموعة من الآليات والتدابير العملية، تمثلت في الآتي:

1. إنشاء وحدات لحماية الطفل تتمتع بالضبطية القضائية، تدار من قبل مختصين ليمكنهم التدخل الوقائي والعلاجي في جميع الحالات التي تهدد سلامة الطفل، وذلك بالتنسيق مع كافة الجهات المختصة.

2. ألزم القانون المحاكم المختصة بتقديم تقرير مفصل عن الحالة الجنائية والاجتماعية للطفل قبل الحكم بحضانته، مع مراعاة أحكام قانون الأحوال الشخصية.

وحتى يكتسب مشروع القانون كامل مشروعيته، بقي أن يتم عرضه على المجلس الوطني الاتحادي لإجازته ونشره في الجريدة الرسمية. ويلاحظ أن نائب رئيس الدولة وجه بإطلاق اسم "وديمة" على مشروع القانون، نسبة إلى الطفلة "وديمة" التي كان والدها قد قتلها ودفنها في الصحراء.

وفي تقديرنا أن القانون الإماراتي أحدث نقلة نوعية في أدبيات حقوق الإنسان، وبالإمكان رفعه لجامعة الدول العربية لتستفيد منه دول أخرى قد تكون في أمس الحاجة لهذا الإنجاز المبتكر، والأهم من ذلك كله ضرورة أن يتم نشره وتوزيعه والتعريف به بكافة الوسائل الممكنة على أوسع نطاق.