كان الميكانيكي يعمل على إصلاح محرّك سيارة جرّاح القلب الشهير، أصابعه تنتقل بخفةٍ ومهارة وهي تُخرج أسلاكاً وتُفكّك قطعاً ثم تعيدها بعد إصلاحها، كان يفعل ذلك وهو يرمق الجرّاح بابتسامة بين الفينة والأخرى، حتى إذا انتهى من عمله وانطلق الـمُحرّك هادراً من جديد، اقترب وقال للجرّاح: هل لي بسؤال؟.. أنت جرّاحٌ بارع لقلوب البشر وأنا جرّاح لا أقل براعة عنك في قلوب السيارات، فلماذا تأخذ مبالغ هائلة وأنا أكتفي بدولاراتٍ يسيرة؟

الطرحُ يبدو منطقياً، لكن المجالين مختلفان بصورة صارخة، فكفاءة مهنة تختلف عن نظيرتها في مهنةٍ أخرى، وأحياناً كثيرة حتى في ذات المهنة يكون هناك الجرّاح وهناك الميكانيكي الذي يحاول تقمّص ذات الدور المهم..

فشركة جنرال موتورز والتي كانت رمزاً وطنياً للولايات المتحدة، كانت تسيطر في الستينات على 48 % من السوق الأميركية للسيارات، عندما كان روجر سميث يدير دفّتها كواحدٍ من أعظم المديرين التنفيذيين في التاريخ الحديث، قبل أن تخلفه مجموعة من "الميكانيكية" وربما "البنشرجية"، أمثال ريك واغونر وحالياً دانييل أكيرسون، لتسقط مع الأول في قاع الإفلاس، قبل أن يتدخل باراك أوباما بنفسه لكفالتها وإعادتها من جديد في بداية ولايته الأولى، حفاظاً على ما تمثله هذه الشركة لصورة الولايات المتحدة، وليتخبط الثاني منهما ويقودها من فشلٍ لآخر في مواجهة منافساتها اليابانية، ولتتقلّص حصتها السوقية هذا العام لتصبح 18 % فقط، بعد أن كانت 20 % العام الماضي، مما يُرجّح أنّ الأخ أوباما سيضطر قريباً لكفالتها من جديد!

على مقربةٍ منها كانت جنرال إليكتريك، والتي تقدّر قيمتها السوقية حالياً بـ222 مليار دولار، تودّع قبل سنوات من تمّ اختياره كأعظم مدير تنفيذي في التاريخ، ألا وهو جاك ويلش.

وعندما توقع المراقبون أن تسقط الشركة الكبيرة بعد رحيل ذلك القائد الـمُلهم، كانت الأيام تزيح الستار عن وجهٍ آخر لعبقرية ويلش، بعد تهيئته لثلاثة من أعظم المديرين لخلافته، وهم جيف إمّليت وبوب نارديلي وجيم مكنيرني ممن يحملون - فضلاً عن كفاءتهم - ذات الرؤية ويعيشون تفاصيلها حقاً، لا من يتصنّع فهمه لها ويحاول عبثاً إيهام الآخرين أنّ المؤسسة تسير في طريقها الصحيح، رغم أنّ الوضع ليس كذلك.

لذلك تألقت الشركة تحت قيادة إمليت وانتقلت من نجاحٍ إلى نجاح، فمن يُوظَّف هو الفكر المبدع وليس الاسم الرنّان، ومن يستطيع الإبقاء على ديمومة نجاح المؤسسة، هو من يضع نُصب عينيه الأهداف الكبيرة بعيدة المدى، حتى لو تعرّض في الوقت الحاضر لبعض العثرات والمعوّقات.

أمّا أشباه القادة فهم يستميتون في البحث عن الانتصارات السريعة Quick Wins، حتى لو تسبّب ذلك في انحراف مسار المؤسسة أو استنزاف مواردها البشرية والمادية، في أمورٍ لا تُقرّب الهدف الكبير بقدر ما تُلمّع صورة السيد المدير!

إنّ الميزة الكبرى للقادة الملهمين، هي القدرة على وضع الهدف البعيد في مخيلتهم ليحكم كل قراراتهم التي قد تبدو مربكة أحياناً، وهي خصلةٌ كانت جليةً مع الراحل ستيف جوبز، وحالياً مع جيف بيزوس مدير شركة أمازون والذي أسّس امبراطورية للكتب قيمتها السوقية تقارب المئة مليار دولار، وهما الشخصان اللذان برعا في مخالفة نصائح محللي "وول ستريت"، ولم يأبها لتحذيراتهم التي لم تكن تجاوز أقدامهم، فمضت السنوات ونجح جوبز وبيزوس في قيادة مؤسساتهم لنجاحٍ غير مسبوق، ولـ"غسل شراع" المحللين والفلاسفة وخرّيجي الكتب!

أمثال ويلش وإمليت وجوبز وبيزوس لا يوجدون بسهولة، فالموهبة الربانية لا تمكن محاكاتها أو تصنّعها أو شراؤها من محلات السوبرماركت، وعندما تتجه الكاميرات إلى القميص رقم عشرة في برشلونة، والذي يحمله الأرجنتيني ليونيل ميسّي أفضل لاعب كرة في المعمورة، فليس ذلك تمجيداً للقميص وإنما لحامله، فلو ألبست ذات القميص لاعباً مغموراً فلن يتغيّر في الأمر شيء البتة..

فلماذا لا نراه مثل ميسي؟ ولماذا لا نجد الجميع مثله وهم يخضعون لذات التدريب وربما تمتعوا بأجسام أكثر صلابة؟ ولماذا لا يُصبح المديرون مثل ستيف جوبز وكتب الإدارة تعجّ بأساليبه ونمطه التفكيري ومنهجيته في العمل، ولم يتبقَ إلا أن تخبرنا كيف كان يحك رأسه؟ ولماذا لا نجد المستثمرين في كفاءة وارين بافيت وقد نشر أسراره ونصائحه الذهبية في عشرات الكتب ومئات المحاضرات؟..

إنّها الموهبة الربانية التي لا تمكن مجاراتها، والتي يُعتبر وجودها في البعض دون البعض الآخر من مُسلّمات الخَلْق كما قال سبحانه: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات).

نعم، بالإمكان أن يتعلم الشخص الكثير من الكتب والتدريب، وهو أمرٌ لازمٌ حتى يستطيع الشخص أن يصل إلى أعلى نقطةٍ يمكنه بلوغها، لكنّ القدر الذي يصله الموهوب سيكون مع ذات التدريب والتأهيل أعلى بكثير، فأمام المرمى يُسدّد الجميع نفسَ الكُرَة وربما بنفس القوة، ولكن تسديدة ميسّي تهزّ شباك المرمى في كل مرّة، أمّا الـمُلمّعون فتطيش تسديداتهم لتوقظ العصافير من أعشاشها!

عندما كان واغونر يتخبّط في إغراق السوق بموديلات غير مطلوبة من السيارات، لأنه اعتبر مخرجات شركته كمنتج لا بد من تسويقه وإقناع العميل باقتنائه، كان ستيف جوبز ينظر للمخرجات التي تنتجها "أبل" كـ"حلول" لتسهيل حياة العميل، وبينما كان الأول ينظر للسعر لتحقيق ربحيته، كان جوبز يُفصِح عن "القيمة" التي سيضيفها لحياة العميل وعمله كمقياس لنجاح شركته، فأخفق "الميكانيكي" الأول ونجح الجرّاح الثاني.

ولكن قِلّةٌ هم من اعتبروا بهذه الدروس، فالإخفاق يتكرر في سلسلة لا تنتهي من الشركات التي يقرأ مدراؤها العديد من الكتب ويمرّون على الكثير من توصيات الخبراء، لأنهم ببساطة أقل بكثير مما يُتوقع منهم، ولأنّ أغلبهم ميكانيكي يحاول التعملق وتقمّص دور جرّاح القلب، الذي كان يبتسم لزميلهم أعلاه وهو يرد على سؤاله التهكمي بقوله: "يا صديقي، إن استطعت فحاول أن تُصلِح السيّارة دون أن تطفئ المحرّك"!