صدر مؤخرا تقرير الدولة الثالث حول ما تم إنجازه من استحقاقات الأهداف الثمانية الإنمائية للألفية، وكان قد صدر قبل عامين التقرير الثاني الذي أصدرته وزارة الاقتصاد، وهي الجهة المعنية رسميا بإعداد هذا التقرير الهام.

يجيء صدور التقرير الثالث في ظروف بالغة التعقيد، وفي وقت تراجعت فيه معدلات النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي في معظم دول العالم عما كان مخططا لها، حيث ألحقت الأزمة الاقتصادية العالمية أضرارا بالغة باقتصاديات كبرى البلدان الصناعية، ومن جهة أخرى بات مشكوكا فيه أن تحقق الدول النامية أو الناشئة أهداف الألفية الإنمائية في السنوات الثلاث المتبقية.

والمعروف أن كل الدول التي شاركت في قمة التنمية الاجتماعية التي عقدت في "كوبنهاغن" عام 2000، وعددها 174 دولة، أصبحت مطالبة بتنفيذ إعلان الألفية، ممثلا في الأهداف الثمانية بنهاية 2015. كما عليها أن تصدر تقارير دولية عما تم إنجازه في كل هدف.

ومعلوم أن دولة الإمارات شاركت في القمة، وقد أجرت تعديلا على منطوق الهدف الأول وهو مكافحة الفقر المدقع، باعتبار أن مجتمع الإمارات يخلو تماما من أي حالة فقر مدقع، وهي الحالة التي يقل فيها دخل الفرد عن دولارين.

كان لافتا لنظر الذين أتيحت لهم قراءة التقرير الثالث أو حضور المؤتمر الصحفي الذي عقد في أبوظبي مؤخرا، ما جاء على لسان ممثلة البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة "منال يزبك"، من أن دولة الإمارات العربية المتحدة أثبتت التزامها القوي بأهداف الألفية، حيث انعكس ذلك برؤية قيادتها واستراتيجية الدولة وسياساتها التي توافقت مع أهداف الألفية، مؤكدة أن التباينات الجغرافية لم تحُل دون تحقيق الإمارات ارتفاعا ملحوظا في مستوى النمو الاقتصادي ليبلغ 4.7% عام 2010..

وسبقت الإشارة إلى أن "مكافحة الفقر" تتصدر أهداف الألفية، يليها تحقيق "التعليم الابتدائي" ثم "المساواة بين الجنسين"، أما الهدف الرابع فهو "خفض وفيات الأطفال" و"تحسين الصحة الإنجابية" و"مكافحة فيروس الإيدز والملاريا" و"الاستدامة البيئية"، ثم "أهمية تطوير شراكة عالمية للتنمية" كهدف أخير.

والشاهد أن دولة الإمارات استطاعت تحقيق 95% من أهداف الألفية، وما زالت هنالك ثلاثة أعوام متبقية للإيفاء بما لم يتم تحقيقه بالكامل من الأهداف.

وقد أفرد تقرير دولة الإمارات صفحات مطولة عما تحقق في كل هدف من الأهداف الثمانية على حدة، ولاعتبارات موضوعية سنتناول أولا ما تحقق بشأن الهدف الثالث، ونعني به المساواة في النوع الاجتماعي وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، لأن الإحصاءات المتاحة أكدت أن دولتنا أزالت الفوارق بين الجنسين في كافة المراحل الدراسية، بدليل ارتفاع نسبة الإناث المتعلمات عن الذكور حتى وصلت إلى 103.6% في عام 2010.

كما أصبح للمرأة حضور في كافة ميادين العمل، باعتبار المرأة شريكا أصيلا في التنمية، بدليل أن النساء المواطنات تبلغ أعدادهن 49% من إجمالي عدد السكان المواطنين و30% من إجمالي عدد سكان الدولة، ومن ثم فإن حقها في المساواة مع الرجل في التملك والعمل والضمان الاجتماعي، كفله الدستور والتشريعات ذات العلاقة.

ومن هذا المنطلق فإن الدولة تناهض كافة أشكال التمييز ضد المرأة، لضمان تكافؤ الفرص والحقوق بين الذكور والإناث، مع الأخذ في الاعتبار العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة، التي تعلي من مكانة الرجل في المجتمعات العربية، إلا أن الدولة مع ذلك لا تنحاز لجانب الرجل على حساب المرأة بأي حال من الأحوال، حتى لا تخل بشروط التنمية المستدامة الداعية إلى التمكين وتعزيز الشراكة بين الجنسين، بل أثبتت التجارب والوقائع أن الدولة دفعت بكثير من النساء المؤهلات إلى 30% من الوظائف في مواقع قيادية مرتبطة باتخاذ القرار.

وأن نسبة النساء في عضوية مجالس غرف التجارة والصناعة بلغت 15%، و10% في السلك الدبلوماسي، فضلا عن أن الدولة أتاحت الفرص أمام المرأة لدخول سوق العمل الحر، حيث ارتفعت نسبة النساء المشتغلات في القطاع الخاص من 11.6% عام 1995 إلى 25% عام 2010، وهي نسبة مقدرة ساعدت كثيرا في القضاء على بطالة النساء وفي التخفيف من تغول العمالة الأجنبية خصوصا في قطاع التعليم والتمريض، وأن هذه النسبة في زيادة مستمرة مع أعداد الخريجات المتزايدة من الجامعات والكليات المنتشرة في كافة إمارات الدولة...

ولم يفت على الدولة فتح المجالات أمام المرأة الإماراتية للإسهام الفاعل في قطاع الأعمال، عبر بوابة مجالس سيدات الأعمال، ويكفي القول إن مجموع حجم الاستثمارات التي تدار من قبل 12 ألفا من سيدات الأعمال على مستوى الدولة، بلغ نحو 14 مليار درهم. أما على الصعيد السياسي فإن دخول المرأة الإماراتية للتجربة الانتخابية عام 2006 وعام 2011 في مجتمع ذكوري، يعتبر حدثا رغم تدني عدد النساء الفائزات في الجولة الانتخابية الأخيرة بسبب حداثة التجربة، إلا أن المستقبل يشير إلى مشاركة أوسع لدخول البرلمان (المجلس الوطني الاتحادي)، ويكفي القول إن المرأة تولت منصب نائب رئيس المجلس.

ولعل القارئ لمجمل التقرير، يدرك أن تعاون المركز الوطني للإحصاء مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، ساعد كثيرا على إخراج التقرير الثالث بمستوى أفضل كثيرا من التقارير السابقة، وبات مما لا شك فيه أن دولة الإمارات ومنذ تأسيسها وعلى مدى أربعة عقود، كانت وما زالت تولي اهتماما خاصا بالمرأة، باعتبارها شريكا للرجل في تفعيل الحراك التنموي لبلوغ غايات استراتيجية حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي سارت قدما في تنفيذ أهداف الألفية.

ففي ميدان التعليم، وهو الهدف الثاني، جاء في التقرير إيضاح ما تحقق بالنسبة للأهداف السبعة الباقية، دون التزام بأفضلية ترتيبها كما تم إدراجها في إعلان الألفية، ذلك أن لكل دولة الحق في ترتيب الأهداف وفق ظروفها الاقتصادية وأوضاعها الاجتماعية، مع تبيان ما تم إنجازه في شأن كل هدف من الأهداف الثمانية.

فمثلا؛ هنالك دول منحت الأولوية للتعليم كسنغافورا وجنوب إفريقيا، ودول أخرى للصحة ومكافحة مرض نقص المناعة كمعظم الدول الإفريقية جنوب الصحراء، بينما الدول الخليجية لم يكن القضاء على الفقر من أولوياتها مع أنه يتصدر أهداف الألفية، وذلك لأن دولة الإمارات شأنها شأن كل دول الخليج العربي، تقدم مساعدات اجتماعية مقدرة للشرائح الضعيفة ذات الدخل المحدود، تشمل ذوي الاحتياجات الخاصة والمطلقات وكبار السن وأسر السجناء ومن في حكمهم، ومن ثم لا وجود لجالسين على خط الفقر المدقع أو أفراد يقل دخلهم عن دولارين في الشهر.