إن متابعة ما يجري في الدول العربية، سواءً في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى الفنية، تصيب الإنسان بصداع أقوى من الصداع النصفي، والذي يجعله يتمنى الخروج من هذا الجحيم والهروب نحو أحلام اليقظة الجميلة.
ففي الجانب السياسي، تصادمت كل الاتجاهات، سواء من اليمين أو اليسار، ومن الشرق إلى الغرب، باسم الحرية تمت مصادرة حرية الإنسان في البحث عن الأمن والأمان، وبات ممارسة قمع الأطفال والنساء والرجال مشهدا يوميا على أجهزة الأعلام ومنها المحطات الفضائية، وما أكثرها، وكأنك أمام بقالات عديدة تعرض بضاعتها من دون احترام للإنسانية، وحتى نسيانها للمواثيق التي جعلتها عضوة في المؤسسات العالمية، سواءً الأمم المتحدة أو غيرها، من المؤسسات الدولية.
حتى إن لذة وبهجة الاحتفال بالعام الجديد لم تعد كما كانت، على حين أن الإنسان في الدول المتحضرة ينام نوماً عميقاً دون خوف أو كوابيس مزعجة، إلا أن الإنسان في الدول النامية أو ما كان يعرف بالعالم الثالث يود الخروج من هذه الدائرة نحو المجهول، إلا أنه يدرك أن ذلك المجهول أرحم مما هو فيه، بالرغم من انتمائه لوطنه والذي هو جزءاً منه.
فمن كانوا يرفعون شعار حقوق الإنسان وكرامته، هم من ينتهكون ذلك بدم بارد، بل ويتمتعون في إذلال الكرامة والإنسانية من دون أي خجل أو خوف، أو حتى شعور بالذنب، هؤلاء مات شعورهم منذ زمن بعيد.
من عجب العجاب أن المجتمعات ذات الحضارة والقيم والتاريخ العريق، هي التي تداس فيها إنسانية البشر، ويسير فيها البشر بجانب الحائط، خشية الضوء أو شعاع الشمس، وهم يدركون أيضاً أن ذلك الحائط قد ينهار عليهم دون سابق إنذار.
وعادت من جديد الولاءات الطائفية والعرقية والإثنية وحتى غير ذلك، لقد تم القضاء على مفهوم المواطنة والتي تؤكد عليها كل الدساتير وما تبعها من قوانين وأنظمة، وازدادت الفجوة بين أبناء الوطن الواحد.
وبرز على السطح الانتماء للقوى المهيمنة على السلطة، فما عاد الإنسان العربي المسيحي، ولا السني ولا الشيعي ولا غيرهم في مأمن من آلات القمع والاضطهاد والقتل بدم بارد.
أما في الجانب الاجتماعي فالواقي للإنسان هو وضع الأسرة الاجتماعي، فقد وجد الإنسان نفسه يتخندق حول طبقته الاجتماعية، وكأنها السور الذي يحميه من الذئاب والثعالب وحتى الضباع وربما النمل الأبيض. وبات الترابط الاجتماعي سراباً من الماضي، وحلماً قديماً قد تراكمت عليه الرمال الزاحفة من الصحراء الكبرى، وهي في أحسن الحالات ستؤدي إلى الهلاك.
لم تعد للتعليم تلك القيمة التي تمسك بها الإنسان لتحسين وضعه، بل أصبحت المادة، وتحديداً المال هو سيد الموقف، فمن زادت أرصدته زاد وزنه الاجتماعي، ومكانته في المجتمع وتراجعت أعداد الباحثين عن المعرفة، وهي الرافعة التي من خلالها تتقدم المجتمعات وتنمو، هل هذه إحدى نتائج هيمنة الأحزاب ذات الصبغة الدينية، أو ما يعرف بالإسلام السياسي.
إن الوضع العربي الحالي هو الجاثوم القاتل للإنسان حتى لو كان طفلاً صغيراً أو هرماً يتمنى حسن الخاتمة، أصبحت المادة والمال هو المحرك للعلاقات العائلية والإنسانية في الوطن العربي.
أما في الجوانب الاقتصادية فقد عملت معاول الهدم في محاربة كل تجربة ناجحة وازدادت جحافل النمل الأبيض من كل الاتجاهات، ولا يبقى إلا أولئك الذين قد أعدوا أدوات مكافحة معاول الهدم من خلال تعزيز الانتماء للوطن وترسيخ مبدأ المواطنة بدلاً من كل المبادئ الأخرى التي ثبت فشلها في العديد من المجتمعات.
قد تكون هذه المرحلة هي نهاية كل مخططات الهدم والتدمير، ويبقى العملاق الصامد أمامها هو العقل العملي والشعور إن الوطن للجميع ولكل امرئٍ حرية اعتناق ما يؤمن به من أنوار وأفكار ورؤية.
إن الوحدة الوطنية هي الدواء لذلك الصداع الذي يقتل الإنسان والمجتمع معاً، وهي الأمل في العودة إلى البناء والتقدم ودحض عالم الخرافات والأساطير. تلك الأساطير التي ما يزال مكانها الكتب الصفراء والعقول المريضة.