بدأ العام الجديد 2013 في العراق كما بدأ العام المنصرم، إندلاع أزمة كبيرة تهدد بالاتساع والانفجار، فهناك تظاهرات شعبية واسعة في محافظة الأنبار ضد الحكومة المركزية تتعاطف معها بقوة جماهير واسعة في محافظات أخرى بدأت هي كذلك في التظاهر، وليس من المستبعد أن تتحول إلى صدامات مسلحة مع القوات الحكومية خاصة أن الأجواء مشحونة وجاهزة على المستويين الشعبي والنخبوي.
فعلى المستوى الشعبي هناك تذمر واسع من سوء الخدمات ومن سياسات الإقصاء والتهميش المتبعة واستهداف شرائح واسعة من الشعب العراقي، ورفض لاستمرار الفساد الإداري والمالي وانتهاكات حقوق الانسان في السجون والمعتقلات وقلق على وحدة العراق وشعبه، وقرف من النفس الطائفي الذي بنيت عليه العملية السياسية.
أما على مستوى النخب المشاركة في الحكم فقد وصلت الإتهامات والإتهامات المضادة التي تصدر عنهم مستوى غير مسبوق من العنف والحدة مما يجعل استمرارهم كشركاء في العملية السياسية أمرا مستبعدا مع بقاء الرموز إياها في موقع صناعة القرار.
والحقيقة أن ما سيؤول إليه الوضع السياسي في العراق ليس غير نتيجة حتمية لما تم طبخه في السنة الأولى التي أعقبت احتلال العراق حين وضع ما سمي آنذاك "مجلس الحكم" تحت إشراف ووصاية الحاكم المدني الأميركي بول بريمر أسس العملية السياسية الجارية الآن بالإستناد إلى الهوية العرقية والمذهبية .
وليس إلى أسس الإنتماء الوطني. لذلك لم تتمكن الحكومات المتعاقبة بعد مضي عشر سنوات سوى من صنع كيان مريض يتكئ على مفاصل بغيضة من التأريخ تزيد وتضاعف من سقمه وتجعله غير قادر على تجاوزها على الرغم من أنها ألحقت أبلغ الأضرار بأبنائه على مر العصور.
ومع استمرار التظاهرات والاعتصامات في عدد من المحافظات عادت معظم النخب السياسية إلى خنادقها الضيقة، وانقسمت بين من يدافع عن الحكومة ويطعن في أهداف المتظاهرين لأنه ينتمي إلى "التحالف الحاكم" وهناك من يقف في الضد من ذلك لأنه ينتمي إلى "التحالف الناقم" دون أن يتمعن الفريق الأول في مدى وجاهة بعض المطالب الجماهيرية المطروحة ودون أن يتساءل الفريق الثاني عن مدى شرعية بعض الوسائل التي لجأ إليها المتظاهرون لتحقيق مطالبهم وعن مدى قدرة الحكومة على تحقيق بعضها لأنها من صلاحيات المجلس النيابي.
هناك ما يقرب من الانتفاضة في بعض المحافظات العراقية وفرص تلافي تداعياتها تبدو ضعيفة، فالحكومة غير قادرة على مواجهتها بشكل إيجابي لأنها لا تمتلك من المرونة ما يكفي من جهة ولأنها غير راغبة في ذلك من جهة أخرى. ردود الفعل الحكومية لذلك اتسمت كالعادة بصلابة مبالغ فيها فقد وصف رئيس الوزراء هذه الاعتصامات بأنها "فقاعات نتنة" وعمد إلى التهديد باللجوء إلى استخدام القوة لفتح الطريق الذي يربط بغداد بعمان ودمشق الذي يسيطر عليه المتظاهرون.
التعارض بين الموقفين شديد الخطورة إذ أن ما ذهب إليه رئيس الوزراء من تهديد باللجوء للقوة لفتح الطريق الدولي المغلق يقع ضمن مسؤولياته كرئيس للسلطة التنفيذية، فإغلاق هذا الطريق الإستراتيجي لا يعطل مصالح حكومية عامة فحسب وإنما يلحق الضرر بمصالح العديد من رجال الأعمال ومصالح المواطنين في المدن الواقعة إلى الغرب من مدينة الرمادي، إلا أنه من جانب آخر يضعه، لأول مرة.في صدام ليس مع رموز سياسية مثل الهاشمي والعيساوي بل مع جمهور واسع من لون مذهبي واحد. ورغم أن هذا التهديد لم يرد في تصريحاته اللاحقة إلا أنه لم يجر تسويات عملية تذكر لتلبية بعض مطالب المتظاهرين.
أما الدعوة التي صدرت عن بعض النواب المتخندقين مع رئيس الوزراء لإطلاق تظاهرات مضادة في المحافظات الأخرى فهي عملية تصعيدية ليس من الحكمة اللجوء إليها، فمن الخطورة بمكان زج قسم من الشعب في مواجهة قسم آخر منه في هذه الأجواء الملتهبة.
إن نظرة "سياسيو الصدفة"، وهو مصطلح جميل لوصف معظم سياسيي اليوم في العراق أطلقه أحد كتاب الأعمدة اليومية في إحدى الصحف السياسية العراقية، إلى المواطن الذي يطرح رأيا معارضا أو يطالب بحقوقه أو يعترض على بعض الإجراءات التي تتخذها الحكومة على أنه شخص معاد ينبغي التعامل معه بطريقة إقصائية ليس خطأ سياسيا فحسب بل كارثة حقيقية.
فالتعامل مع الحشود الكبيرة المتظاهرة من منطلق أنها معادية تنفذ أجندة خارجية كما ذهب إليه بعض الذين يشغلون مواقع هامة في أجهزة الدولة ليس في تعارض مع المنطق فحسب بل يعبر، وهو الوجه الأخطر، عن ذهنية ملتبسة لا تسمح لحاملها إشغال أي منصب في الدولة يتمخض عن وجوده فيه صياغة قرارات سياسية.
ومع تطور الأزمة السياسية ومرور ما يزيد على أكثر من إسبوعين على اندلاعها وتصاعد سقف المطالب التي يرددها المتظاهرون بعد أن أصبحوا أكثر تنظيما ووعيا بالشعارات المطروحة، تنقل لنا وسائل الإعلام تصريحات متضاربة عن المقربين من رئيس الوزراء حول تداوله لخيار حل الحكومة والبرلمان والذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة تجرى في غضون ستون يوميا حسب الدستور، مع بقائه وطاقمه كحكومة تصريف أعمال.
وفي هذا تجديد لدعوة سبق أن أطلقها لإجراء انتخابات نيابية تنبثق عنها حكومة أغلبية. وقد سارع رئيس إئتلاف العراقية علاوي للترحيب بذلك مشترطا تنحي حكومة المالكي على أن يتم استبدالها بحكومة انتقالية يشكلها مجلس النواب تحت إشراف الأمم المتحدة.
ولعل ما يثير الاهتمام في المشهد العراقي أن الأزمة الأخيرة قد كشفت عن حجم النفوذ الكبيرالذي تتمتع به الزعامات الدينية بعد أن تراجع دور معظم النخب السياسية وضعفت قدراتها في التأثير على الجمهور فهي لم تعد قادرة على تبرئة نفسها من المسؤولية عما وصلت إليه أوضاع العراق من ترد على مختلف المحاور وعلى مختلف المستويات.
عام 2013 قد يكون أخطر الأعوام التي تمر على العراق منذ سقوط النظام السابق فالظروف الإقليمية تشهد تغيرات كبيرة في معادلة الإتزانات السياسية خاصة وأن النظام السوري مرشح للانهيار خلاله ومن الصعب التنبؤ بما سيتركه ذلك من تداعيات على الوضع المتفجر في العراق بعد أن انفرط عقد الشراكة الوطنية الملتبس والملغم بسوء النوايا، إلا أن من المؤكد أن رئيس الوزراء سيجد نفسه في وضع أصعب كثيرا مما هو فيه الآن.