بعد حصول «الائتلاف الوطني السوري» على اعتراف دولي كبير ممثلاً للشعب السوري، أصبح في حكم المؤكد أن رحيل نظام الرئيس بشار الأسد بات وشيكاً، كما ازدادت عزلة كل من روسيا والصين اللتين ما زالتا ترفضان نزع الشرعية عن النظام القائم، عن طريق قرار يصدره مجلس الأمن.
فروسيا معنية أكثر بالشأن السوري وأكثر انشغالاً بمصير النظام القائم، إلا أن مواقفها قد أصبحت مترددة متخبطة في الآونة الأخيرة، إذ صدرت عن مسؤولين فيها تصريحات متضاربة. أما الصين فيبدو أنها غير مكترثة كثيراً بما يجري في الشرق الأوسط من فوضى.
فحين أعلنت واشنطن اعترافها بالائتلاف الوطني السوري، أزاحت بذلك التحفظات التي وضعتها على قوى الثورة السورية، ومن المرجح أن ذلك تم عبر اتفاقات وتعهدات بإبعاد بعض هذه القوى عن المشاركة في رسم مستقبل سوريا من جهة، وتعرض إدارة الرئيس أوباما لضغوط داخلية من جهة أخرى
. فعلى صعيد المحور الأول أعلنت واشنطن اعتبار جبهة النصرة المشاركة في الثورة، منظمة إرهابية، أما على صعيد المحور الثاني فالجمهوريون قلقون من سياسات الرئيس أوباما في الشأن السوري، والتي تضعف مستقبل الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط.
في مقالة مهمة نشرتها صحيفة الاتحاد الإماراتية في الخامس والعشرين من نوفمبر المنصرم، تحت عنوان «سوريا والانخراط الأميركي في المنطقة»، أشارت كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، إلى أن «الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا هي الفصل الأخير في قصة تفكك الشرق الأوسط كما نعرفه»، محذرة الإدارة الأميركية بأن «إمكانية الحفاظ على وحدة المنطقة وإعادة بنائها على أساس من التسامح والحرية، والوصول بها أخيراً إلى مرحلة الاستقرار الديمقراطي، بدأت تتسرب بين أيدينا وتبتعد عن قبضتنا».
القرار الأميركي في حق جبهة النصرة أضعف من زخم الثورة السورية، إلا أنه من ناحية ثانية وضع أطراف المعارضة السورية أمام أمر واقع، وهو أن الحصول على دعم الولايات المتحدة.
وهو أساسي في عملية التغيير، يتطلب الاستماع للصوت الأميركي في ما يتعلق بترتيب أوضاع البيت السوري في مرحلة ما بعد الأسد. فالولايات المتحدة مدت الجسور مع الأحزاب والحركات الإسلامية في أكثر من بلد عربي بشروط مشابهة، وهي القبول بحدود معقولة مما تسوقه في أجندتها.
ويبدو أن تشكيل الائتلاف الوطني السوري وحصوله على الشرعية لدى أكثر من مئة دولة، قد أصبح بمثابة المنعطف الذي على كل من روسيا والصين أن تقررا موقفهما فيه، لتحصلا مقابل ما تبقى لديهما من أوراق تساومية، وهي ضئيلة على أية حال، على صفقة خسرا الكثير من مكاسبها مع مرور الزمن. فالإجماع الدولي الكبير على الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري، قد أغلق الباب تماماً أمام محاولات روسيا لتمرير مبادرتها، التي تهدف إلى الإبقاء على الرئيس السوري.
أما على المستوى الميداني التعبوي، فقد نجحت قوى المعارضة في السيطرة على مدن ومناطق كثيرة في سوريا، واستطاعت نقل عملياتها إلى العاصمة دمشق، إلا أنه على الرغم من ذلك يبدو أنها غير قادرة بالقدرات المتوافرة لديها حالياً، على حسم المعركة وإسقاط النظام القائم المصمم على الدفاع عن وجوده، حتى لو أحاق الخراب الشامل بالبلد كله.
فمن دون انحياز قطاعات كبيرة من الجيش لصالح الثورة أو حصول الثوار على دعم خارجي كبير أو التدخل العسكري الخارجي المباشر، لن يحدث التغيير في سوريا.
المسرح السوري تجري تهيئته للمشهد الأخير، فليس مجلس الأمن الدولي هو الأداة الوحيدة للتغيير الفعلي، فالمؤشرات تدل على أن تدخل الناتو بات قريباً، سواء بشكل مباشر عن طريق القيام بعمليات محدودة ذات طابع نوعي تدفع بقوات النظام إلى الهزيمة.
أو بشكل غير مباشر عن طريق تزويد قوى المعارضة بالسلاح. فما نشر بطاريات باتريوت المضادة للصواريخ على الحدود التركية السورية، مع المئات من القوات الأميركية، سوى مؤشر قوي على ذلك، وإن كانت الحجج التي جرى تسويقها لتبرير هذا النشر.
وهي التزام الناتو بالدفاع عن إحدى الدول الأعضاء فيه، تركيا، لاحتمال تعرضها لتهديد من قبل سوريا هزيلة للغاية، فالنظام السوري أصبح عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، فكيف له أن يهدد تركيا التي تمتلك جيشاً قوياً ووضعاً لوجستياً متفوقاً كثيراً على الوضع السوري وهو في أتم عافيته!
الموقف الروسي محير فعلاً، ولا أحد يرى مصلحة لموسكو في الاستمرار في تجاهل الحقائق المتعلقة بالوضع في سوريا محلياً وإقليمياً ودولياً، فاستمرارها في التمسك بالدعوة لحوار بين أطراف الصراع، يعكس في الحقيقة عدم تفهم لطبيعة هذا الصراع، ويعبر عن تجاهل كبير للكثير من الحقائق التي تتعلق بالصراعات في الشرق الأوسط، ماضيها وحاضرها، على الرغم من أن روسيا كان لها حضور كبير في المنطقة على مدى نصف القرن المنصرم.
وهو يعبر من جانب آخر، عن حقيقة أخرى مفادها أن القيادة الروسية لم تستطع أن تتفهم أسباب هزيمة الاتحاد السوفييتي السابق منذ عقدين من الزمن، بأسلوب علمي وواقعي، وفشلت تبعاً لذلك في التعامل مع تداعياتها، وهي حتمية انهيار أنظمة الحكم الشمولي التي لم تعد تنسجم مع متطلبات العصر وطموحات الإنسان.
فعدم القدرة على مغادرة الماضي فكرياً وسيكولوجياً في الدخيلة العقلية التي تنتهجها القيادة الروسية، أمر خطير، لأن الخسائر التي تترتب على ذلك لن تحصدها هذه القيادات، التي جددت حضورها على المسرح السياسي الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة فحسب، وإنما يحصدها الشعب الروسي بأسره وتتضرر منها شعوب أخرى.
روسيا بما تبقى لديها من نفوذ ضئيل في منطقة الشرق الأوسط، لن تستطيع الاستمرار في دعم أنظمة لم تعد مقبولة لدى شعوبها ولدى شعوب المنطقة. فالصراع في سوريا لن يحسم بالتفاوض للوصول إلى حلول وسطية، تسمح ببقاء الرئيس السوري لفترة أخرى والسماح بأن يكون له دور سياسي في المرحلة المقبلة من تاريخ سوريا، بل يحسم فقط لصالح أحد طرفي الصراع، فالحليف الأخير لها في المنطقة يقف في الطرف الخاسر.