الأخلاق هي السياج الضامن للسير في الاتجاه الصحيح والبعد عن جوانب الزلل في مختلف التخصصات ومهما كان المنتج، سواء في البحث العلمي أو الإبداع أو الفكر، ولا يعني الحجر على الفكر أو تعويق الانطلاق، وإنما يعني القبول المجتمعي للممارسة أياً كان مجالها، خاصة وأن جانبا كبيرا من المحددات الأخلاقية نسبي، وما يكون مقبولاً في مجتمع قد لا يكون مقبولاً في مجتمع آخر، ومن ثم فالممارسات الأخلاقية هي انعكاس لحالة مجتمعية يجب قبولها وعدم القفز عليها أو تجاوزها، فضلا عن وجود محددات عامة لا يختلف حولها البشر في أي مجتمع كان.

وغالبا عند الحديث عن أخلاقيات الإعلام، فإننا نتناول هذا الموضوع بشكل واسع، كأن جمهور الإعلام كتلة واحدة متجانسة في العمر والبيئة، إلا أن الأمر ليس على هذا النحو، فالجمهور شديد التباين والتنوع، لذلك عند الحديث عن القواعد المنظمة للعمل الإعلامي، لا بد من إدراك صورة الجماهير بشكل متكامل، وأنها تحوي ضمن ما تحوي جماعات نوعية لها خصائص تميزها عن غيرها.

ومن الجدير بالملاحظة أن من أكبر قطاعات الجمهور المتابعة لوسائل الإعلام وخاصة المرئية، سواء التليفزيون أو السينما، هم الأطفال وصغار السن، وهذا لا يحتاج منا إلى إحصائيات تؤيد ذلك وتدعمه بقدر احتياجانا إلى قراءة واقع بيوتنا لنتأكد من ذلك. فلقد أصبحت وسائل الإعلام المختلفة تربي مع الأسر، وتأثيرها يفوق تأثير الأسرة كثيرا، وكذلك لا يقل دورها في التعليم عن دور المدرسة. لذلك من الأهمية بمكان إيلاء أخلاقيات إعلام الطفل مزيدا من الاهتمام، باعتبار أن ذلك حق من حقوق الطفل التي لا تقل عن حقه في التعليم والعلاج.

إننا نقول دائما: "من شب على شيء شاب عليه"، ولذلك فإن الحرص على الانتقاء والفرز في ما نقدمه للطفل في الصغر، ينمي لديه القدرة على الانتقاء وإدراك ما هو مقبول وغير مقبول، وهو من سيصبح فيما بعد صانعا للرسالة الإعلامية، فمستقبلنا نحن نصنعه بأيدينا.

كما أن أخلاقيات إعلام الطفل لا تعني فقط الفحص والتدقيق في ما يقدم للطفل، ولكنها تعني كذلك استخدام الطفل في المادة المقدمة وطريقة إشراكه، وهذا لا يقل في تأثيره عن المادة المقدمة، لأن المشاركة تعني في صناعة الرسالة الرضى على التناول، كما أنه يشجع غيره من الأطفال على التقمص الوجداني والمحاكاة ووضع أنفسهم في مكانه.

والمتابع للكثير من وسائل الإعلام العربية يجد أنها في الغالب تقدم الطفل بصورة سلبية، وإن شئت الدقة، تسيء استغلاله إعلاميا. فهو الضحية عند الحديث عن المجاعات في الدول الفقيرة، وهو الذي يحترف التسول في الدول التي ينتشر فيها أطفال الشوارع، وهو المريض عند حث الغير على التبرع لبناء المستشفيات، وهو الضحية عند الحديث عن المشكلات الأسرية، وهو العامل في الورش الصناعية عندما تحتاج الأسرة إلى من يعيلها أو يساعد في إعالتها، وهنا يتم تكريس صورة سلبية عن الطفل بعيداً عن وجود الطفل المبدع أو النموذج الإيجابي.

إن اختزال صورة الطفل في المآسي والمعاناة والاحتياج هو ظلم بين، وهو إدانة لمن يقدمه بهذه الصورة في كافة المجتمعات العربية، التي تهاونت في حقه حتى أوصلته إلى هذه الدرجة من المعاناة.

استوقفني غير مرة إعلان عن علاج للتبول اللاإرادي عند الأطفال، يحمل صورة لطفل يبدو عليه الخجل والانكسار، مما جعلني أتساءل؛ هل هذا الطفل يعاني بحق من هذا المرض؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل من المقبول وضع صورته على هذا الإعلان؟ وهل تمت موافقته وذويه على ذلك؟ وهل هذا مقبول أن نلصق به هذه العادة التي تسبب الكثير من الحرج؟ وقد يكون ذلك غير صحيح وقد يكون صحيحا، ولكنه يتعافى فتظل ملتصقة به، وقد يكون هذا الطفل أصبح شابا أو رجلا له زوجة وأولاد.. والقياس على ذلك كثير.

ولأن للعمل الإعلامي أخلاقيات عند التعامل مع الجمهور بصفة عامة ومع الأطفال على وجه الخصوص، لأنهم لم يبلغوا بعد السن القانونية التي تؤهلهم للتفرقة بين ما ينفعهم وما يضرهم، فقد أكدت بعض الاتفاقيات الدولية مجموعة من المبادئ في التعامل إعلاميا مع الطفل، قامت منظمة "اليونيسيف" بتطويرها لتساعد الإعلاميين في كيفية التعاطي مع شؤون الأطفال إعلاميا.

 منها أنه ينبغي احترام كرامة الأطفال في جميع الأحوال، وحقهم في الخصوصية الشخصية، وكذلك استشارة أقرب الأشخاص للطفل حول ما يترتب على استخدامه إعلاميا وما يترتب على ذلك من تبعات سياسية واجتماعية وثقافية، والامتناع عن نشر أي قصة خبرية أو صورة تعرضه للخطر أو تنال منه، أو الطلب منهم القيام بشيء لا يمثل جزءا من إدراكه أو عالمه، أو التمييز بين الأطفال بسبب العرق أو الدين أو خلفيتهم التعليمية أو قدراتهم البدنية.

إنني لا أطالب بأن نخفي حقائق موجودة، وكأن أطفالنا في كافة البلاد العربية طيور من الجنة، ولكن لا بد من مراعاة التوازن، وألا نستغل براءتهم أو احتياجهم لتحقيق ما نريد. لذا من الأهمية بمكان عرض النماذج الإيجابية، وهي كثيرة حولنا.

وهنا أثمن ما تناولته وسائل الإعلام منذ أيام، حول الطفل الإماراتي "أحمد علي المرزوقي" (13 عاماً) الذي نجح في اختراع نماذج لجرافة آلية، ومروحة هوائية، ومولد كهربائي، ليصبح أصغر طفل إماراتي مخترع.

والنموذج الآخر هو الطفل "أديب سليمان البلوشي"، الذي توصل إلى تصميم لمكنسة آلية، يقوم على استخدام بعض الأدوات البسيطة المتوافرة في المنزل، يمكن استخدامها في تنظيف الأماكن الصغيرة والضيقة بالتحكم عن بعد، طريقة جديدة، كما توصل إلى استخدام نوع خاص من الشمع في تجبير الكسور بدلاً من الجبس.

بإلقاء الضوء على مثل هذه النماذج، يكون لإعلام الطفل بحق دور في تنمية الدافعية للأطفال، وتنشئة جيل لا تستغرقه فقط الألعاب الإلكترونية ويستهلكه واقع افتراضي غير مرئي، بل يلتفت إلى واقعه ويشترك في بنائه. ولا شك أن من شارك في صغره في صناعة مستقبل وطنه، سيحافظ على ذلك في شبابه وعند كبره.