اعتمدت لسنوات عدة على الآلة الكاتبة، من طراز "أوليفتي"، على الرغم من اختراع الحاسوب. وكان ابني، في الواقع، يعمل خبيراً فنياً لدى أول شركة أنتجت الحواسيب في المملكة المتحدة، وأنا أدرك أنه كان يستغرب دوماً رؤيتي وأنا أعمل بجهد على الآلة الطابعة، وأرتكب الأخطاء في تهجئة الكلمات، فأعمل على حذفها كلها وإعادة كتابة الكلمة كلها من جديد. وفي الواقع، كانت هناك مرات كنا نعمل معاً جنباً إلى جنب، هو على حاسوبه وأنا على آلتي الطابعة التي كنت أقوم بتحريكها ذهاباً وإياباً. وكان يقترح علي مراراً أن أحصل على حاسوب، ولكنني كنت دوماً أجيبه بأنني معتاد على الآلات الكاتبة، وأنه ليست لدي المعرفة التقنية للتعامل مع الحاسوب.

وكان يؤكد لي: "الأمر سهل جداً، وأنا على استعداد لأعطيك بعضاً من الدروس، وستجد أنه لا يوجد ما هو أكثر سهولة من العمل على الحاسوب". لذا وعدت ولدي باصطحابه بعيداً في عطلة أسبوعية إلى جنوب فرنسا، التي يوجد لي أصدقاء فيها، حيث بإمكانه أن يعلمني كيفية استخدام الحاسوب، فذهبنا في عطلة معاً، واصطحب ابني معه حاسوباً من إنتاج الشركة التي كان يعمل لديها.

وبدأ ابني بإعطائي دروساً في كيفية الكتابة على الحاسوب، وقد استغربت إلى أي حد وجدت الأمر سهلاً؛ كان يتعين عليك الاستمرار في الطباعة حتى الوصول إلى نهاية السطر، وبعدها يأخذك الحاسوب، من تلقاء ذاته، إلى السطر التالي، من دون الحاجة إلى تحريك شيء. ووجدت أيضاً أنه عندما أرتكب خطأً طباعياً ما، أو أغير رأيي حيال كلمة ما وأقرر استخدام أخرى، فإنه بإمكاني حذف الكلمة التي لا أرغب في استخدامها، فتختفي من الآلة وتترك لي مساحة لكتابة كلمة جديدة.

وبعد يومين على عملي مع ابني، اقتنعت بأن الكتابة على الحاسوب لم تكن بسهولة العمل على الآلة الكاتبة فحسب، بل في الواقع أسهل، وأن النتيجة النهائية لم تكن مليئة بالكلمات المشطوبة وتلك المستخدمة في مكانها. لكن كان هناك شيء واحد وجدت أن بإمكاني القيام به على الآلة الكاتبة، والذي كان مستحيلاً القيام به عند استخدام الحاسوب، وهو عمل نسخة كربونية لما كنت أطبعه. وفي ما يتعلق بالآلة الكاتبة، كانت طباعة نسخة كربونية لما هو مكتوب أمراً سهلاً جداً، لكن هذا الأمر لم يكن ممكناً باستخدام الحاسوب.

وخلال وجودنا معاً، ناقشت مع ابني، بوصفه رئيس الجانب الفني في شركته، كيف كانت تسير الأمور معه في وظيفته، ومن ثم اقترحت عليه أن يطلب من الشركة تعيينه مديرها وأن يحصل على حصص فيها. وهذا ما فعله عند عودته إلى إنجلترا، وقد وافقت الشركة التي كان مقرها في كامبردج، على الطلبين اللذين تقدم بهما. ومن ثم تم شراء الشركة من قبل شركة أخرى.

وعلى الرغم من إعطائه مبلغاً من المال كتعويض، إلا أن ابني خسر وظيفته، فقرر بعد ذلك أن يعمل مستشاراً خبيراً بالحواسيب، وقد عمل بهذه الصفة بنجاح لسنوات عدة. وما زال ابني سيد عمله، وهو يعطي بعضاً من وقته لمساعدة الشركات مع حواسيبهم وفي بيع الإعلانات، حيث كان بإمكاني أن أساعده بما أنني كنت قد عملت في مجال الإعلانات منذ سنوات عدة.

لا نرى بعضنا كثيراً، أنا وابني، هذه الأيام، حيث إنه يقضي كل أوقاته في كامبردج مع أطفاله الكثر، وهو لم يحب السفر إلى الخارج قط، فيما أنا يبدو أنني أقضي كل حياتي في مواقع مختلفة من العالم العربي.. وما كان بوسعه أن يكون أكثر اختلافاً عني.