على الرغم من غياب تصور قيام دولة واحدة، تضم القطاعين العربي الفلسطيني واليهودي في فلسطين التاريخية، عن أجندات الأطراف المنغمسة في تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن السنوات العشر الأخيرة شهدت انحيازا متزايدا لهذا التصور من لدن معنيين غير رسميين.
يستبعد هؤلاء الأخيرون إمكانية مرور حل الدولتين، الذي كرسه بقوة اعتراف الجمعية العامة بفلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي، لأسباب كثيرة؛ أهمها المشهد السكاني القائم في الضفة الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.. فهذه المنطقة "موشاة" بالمستعمرات اليهودية والمساحات العسكرية المغلقة والطرق الالتفافية، بما يستحيل معه قيام دولة فلسطينية...
ومن جانبنا نستطيع أن نضيف إلى هذا الحائل، عوائق مشابهة تتصل بالوجود الفلسطيني داخل الدولة الإسرائيلية ذاتها (فلسطينيي 1948)، وما قد ينشأ عن مطلب تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
غير أن هذه الدفوع، على أهميتها، لا تكفي لإقناعنا ببديل الدولة الواحدة، لاعتبارات فلسفية ومحاذير واقعية، أبعد غورا من قضية التداخل السكاني التي يتوقف عندها دعاة هذا البديل الحالم.. اعتبارات تتعلق بضرورة حدوث تغييرات جوهرية؛ مادية ومعنوية في الطبيعة العنصرية لإسرائيل، كدولة نشأت عن مشروع استيطاني إحلالي.. عند نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يقنع معسكر دول الحلفاء المنتصر بالهزيمة العسكرية التي أوقعها بدول المحور، وإنما ردف دحر جيوش النظم النازية والفاشية في ميادين القتال، بالسعي حثيثا إلى استئصال الأسس الفكرية والبنى التحتية الثقافية والتعليمية لهذه النظم، من عقول ووجدانات الشعوب الألمانية والإيطالية واليابانية..
كانت قناعة الحلفاء أن الأبعاد والسلوكيات العدوانية المسلحة لنظم المحور، ليست سوى تجليات فوقية ظاهرة لمضامين عقيدية عنصرية ضاربة الجذور في مجتمعات المحور. وعليه، كان الاتجاه إلى تغيير الأطر الدستورية والقانونية، والمناهج التربوية والتعليمية، وأنماط الرسائل الإعلامية والتصورات الثقافية، وشطب كل ما من شأنه بث القيم الحاثة على التمييز في تلك المجتمعات.
جرى ذلك كله ونحوه، على اعتبار أن الاتجاهات والميول والتفضيلات العنصرية وسياسات التمييز بين البشر، إنما تستزرع في العقول قبل أن تترجم لاحقا إلى تصرفات سلبية قميئة، معززة بأدوات العنف إزاء الآخرين.
لو أن الداعين لتسوية "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" على أساس الدولة الواحدة، دولة كل مواطنيها من العرب واليهود، أخذوا هذه الخبرة بعين الاعتبار، لما داعب هذا الحل خيالهم.. ذلك أن مرور حل كهذا يستوجب توفر شرطين شارطين: هزيمة الصهيونية المسلحة أو نزع سلاحها أولا، ثم حدوث تحولات جوهرية في البنية الفكرية الثقافية، تلغي ما لدى المستوطنين الصهاينة من مكنونات استكبارية وعنصرية تجاه الفلسطينيين تاليا.
إن نشوة شعور النظم العنصرية بالتفوق المادي والمعنوي، والاستحواذ على أدوات القوة والغلبة العسكرية، تحول بينهم وبين التلاقي مع المجتمعات الأخرى على قاعدة المساواة. ولم يعرف عالمنا تجربة للنظم العنصرية أو للاستعمار الاستيطاني، آبت إلى الاعتراف بالمساواة بين البشر، أو بحقوق متساوية للمستوطنين مع المجتمع الأصيل، من تلقاء نفسها أو نتيجة لمراجعات ذاتية.
التجارب تقول بأنه لكي يحدث هذا الاعتراف، لا بد من إيقاع الهزيمة المادية والفكرية بهذه النظم.. هذا ما جرى مع النازية والفاشية. وقد حدث الشيء ذاته مع المستوطنين الأوروبيين في الجزائر، ومع نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا الذي لم يتفكك، قبل عقدين، إلا بفعل مقاومة المجتمع الأصيل والضغوط الدولية الجبارة.
لا يقوم حل دولة كل مواطنيها بين جماعة متعجرفة متعالية مستكبرة مسلحة حتى الأسنان؛ تدعي أنها فوق كل قوانين الخليقة لأنها شعب مختار من الخالق، وبين جماعة أخرى مسالمة تخضع لقوانين السماء والأرض؛ تؤمن بأن كل الناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وجل همها أن تتحرر وأرضها من استعمار الجماعة الأولى.. وقد فشل هذا الحل في كثير من الدول ذات الجماعات المتباينة إثنيا أو ثقافيا ولغويا أو دينيا أو حتى طائفيا.
في بعض النماذج، مثل تشيكوسلوفاكيا، جرى الانفصال بالتوافق والتي هي أحسن، فيما شهدت نماذج أخرى حروبا دامية قبل أن تذهب كل جماعة في طريق، كما حدث في يوغسلافيا.
نطرح هذه العبر وفي الخاطر أن مفهوم الدولة الواحدة في فلسطين، ليس من منشآت أو مبتكرات القائلين به، من أية جهة أو تيار فكري أو سياسي، في أيامنا هذه.. فقد كان أول الحلول التي عض عليها آباء الكفاح الوطني الفلسطيني بالنواجذ، حين تبلورت لديهم باكورة الوعي بالمشروع الصهيوني الاستيطاني، في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته.
وكان ذلك العرض مقبولا وجائزا ومرشحا للنجاح في ذلك الحين، لأنه قصد التأليف السياسي الدولتي بين عرب فلسطين ومسيحييها ويهودها الأصليين؛ قبل أن يطرأ سيل المهاجرين اليهود على فلسطين تحت شعارات المشروع الصهيوني الاستيطاني.
لقد كان دخول العامل الصهيوني الخارجي، بحمولته الفكرية والسياسية والديمغرافية والعسكرية وأنماط تحالفاته، نذير شؤم على فلسطين.. فهو أودى بالحل الديمقراطي الذي طرحه الفلسطينيون، وبدونه ما كان لفلسطين أن تتشظى وتنقسم، وما كان لشلالات الدماء والآلام أن تنداح على أرضها وجوارها الإقليمي منذ عامي 1947 و1948.
وعلى الرغم من الجروح التي تسبب لهم فيها هذا العامل، فقد ظل بعض الفلسطينيين عاكفين على حل الدولة الديمقراطية الواحدة. ووقت أن كان الصهاينة ومحازبوهم يرقصون فرحا ويهنئون أنفسهم بحل الدولتين، الذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، كان الفلسطينيون يبكون ألما لزوال فرصة العيش في دولة فلسطينية لكل مواطنيها الأقحاح. ولعلنا لا نغامر كثيرا حين نزعم أن ثمة قطاعا فلسطينيا، ليس قليل العدد، ما زال إلى ساعتنا هذه مهجوسا بهذا الحلم، رغم عدم توفر شروط تحقيقه.
يقيننا أن فلسطينيي ما قبل النكبة لم يكونوا في جانب تقسيم فلسطين، وأن فلسطينيي اليوم لم يقاربوا هذا التقسيم ولا قبلوا بدولة على أقل من ربع بلدهم الأم، إلا عن قناعة بأنهم بصدد أفضل الخيارات الممكنة. وعندما يتغير كثير من المعادلات التي فرضتها الغزوة الصهيونية وحلفاؤها عنوة على أرض فلسطين التاريخية، ربما يكون لهم رأي آخر.