الاحتجاجات الواسعة التي نظمها العاملون في شركة وولمارت العملاقة، في أكثر من ولاية أميركية طوال الشهر الماضي، ذات دلالة مهمة في إطار الكفاح من أجل عالم أكثر عدلا وحرية.
فمؤسسة وولمارت العملاقة تعتبر من أكبر المؤسسات العابرة للجنسيات في العالم، فهي سلسلة من المحلات العملاقة التي تبيع كل شيء بأسعار زهيدة؛ من الأدوات المنزلية إلى البقالة. وفضلا عن السلسلة الضخمة من المحال الكبرى داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث مقرها الرئيسى، فإن وولمارت تعمل في أكثر من 20 دولة حول العالم تحت أسماء مختلفة.
ومحلات وولمارت تعتبر أيضا أكبر صاحب عمل في العالم، حيث يزيد عدد العاملين فيها عن 2 مليون شخص. لكن الأسعار الزهيدة التي تشتهر بها وولمارت تأتى على حساب العاملين فيها، فهي من أكثر الشركات عابرة الجنسيات انتهاكا لحقوق العمال.
فهي تعتمد بالدرجة الأولى على العاملين بعض الوقت، وتلك حيلة معروفة يستخدمها الكثير من المؤسسات الأمريكية، بما فيها الجامعات بالمناسبة، من أجل خفض النفقات. فالعاملون بعض الوقت يقومون بنفس العمل، لكن ليست لهم الحقوق والمزايا نفسها التي يتحتم على المؤسسة توفيرها للعاملين فيها طوال الوقت، من تأمينات ورعاية صحية.
وولمارت معروفة أيضا بأنها تدفع أجورا تقترب للغاية من الحد الأدنى للأجور، الأمر الذي يجعل العاملين فيها يعيشون على حد الكفاف، بل ويلجأون للمساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة للفقراء في أمريكا.
وما لا يقل خطورة هو تأثير فروع وولمارت على محيطها البيئي والاجتماعي، فالمؤسسة اضطرت منذ عامين لدفع 27 مليون دولار كتسوية، بعد أن اتهمتها ولاية كاليفورنيا بتلويث البيئة عبر التخلص من مواد خطرة بطرق تهدد الصحة والبيئة.
وولمارت حين تفتتح فرعا جديدا لها، فإن الأسعار الزهيدة التي تبيع بها وبالذات في البقالة، تؤدي إلى إفلاس الكثير من المحال الصغيرة، وإلى اضطرار أخرى لتخفيض أجور العاملين فيها حتى تستطيع المنافسة والبقاء في السوق.
أما ممارسات وولمارت خارج حدود الولايات المتحدة، فحدث ولا حرج. فهي تقوم بتشغيل العمال في بنغلاديش ونيكاراغوا وإندونيسيا والصين، بأقل من الحد الأدنى للأجور، وتفرض عليهم ساعات عمل إضافية دون أجر. وهي تلعب دورا سياسيا سلبيا في الدول الأجنبية، من حيث دعم الفاسدين عبر دفع الرشاوى لتحقق ما تريد.
فهي على سبيل المثال، قدمت رشاوى في المكسيك لتحصل في أيام على تصاريح تستغرق أسابيع، بهدف فتح فروع قبل أن يتحرك أصحاب الأعمال المحليون المعرضون لخطر الإفلاس، بشكل قانوني ضدها.
والحقيقة أن ممارسات وولمارت ليست قاصرة عليها، فهي ممارسات تتبعها معظم الشركات العملاقة العابرة للجنسيات. فشيفرون، شركة البترول العملاقة، ارتكبت مخالفات مذهلة عبر عقود طويلة في الإكوادور مثلا، حين تجاهلت التخلص الصحي من المواد الخطرة، فتشبعت التربة والمياه بمادة الهايدروكاربون التي تتسبب في الإصابة بالسرطان وأمراض الكبد وتشوه الأجنة.
وشركة ماتل العملاقة المتخصصة في صناعة لعب الأطفال، ومنها العروسة الشهيرة باربي، لها ممارسات تنتهك حقوق العمال بشكل صارخ في مصانعها في الصين، بدءا بالانخفاض في الأجور إلى ما دون الحد الأدنى، وتجاهل تدابير السلامة لعمال يعملون أصلا في مصانع تفتقر إلى الحد الأدنى لاحترام آدميتهم، من حيث التهوية والنظافة.
ولأن تلك الشركات عابرة الجنسيات تعتمد على الأجور الهزيلة لعمال لا يملكون سوى قوت يومهم، ودون حماية اتحادات عمالية حقيقية، فإن العمال يلتزمون الصمت في أغلب الأحيان خوفا من التخلص منهم عقابا على احتجاجهم.
ومن هنا يأتي مغزى احتجاج عمال وولمارت تحديدا. فتلك المؤسسة التي أنشئت عام 1962 في ولاية أركنسا الأميركية المحافظة، استغل صاحبها الدين بحنكة، حيث اعتمد في البداية على ربات البيوت اللائي لم يعتدن العمل بأجر، وأقنعتهن الإدارة بأن ذلك العمل فيه خدمة للمجتمع كما يوصي السيد المسيح، وبأن العاملات ينتمين "لأسرة" وولمارت، الأمر الذي يبرر العمل بأجر زهيد، تماما مثل عمل المرأة من أجل أسرتها بلا أجر على الإطلاق.
ومن هنا، فإن خروج عاملات وعمال وولمارت عن الطوق، له مغزى مهم في إطار الكفاح الدولي ضد نوع العولمة التي تم صنعها طوال العقود الأخيرة. فهي عولمة تحقق أرباحا خرافية لفئات محدودة للغاية، وتنتهك حقوق العمال والإنسان، وتخرب البيئة في كل مكان حول العالم.
فالتجارة الحرة غير العادلة، وفتح الأسواق على مصاريعها دون ضوابط، يصيب البلاد بتلك الشركات بانتقالها إلى دول أخرى، تضطر المنافسين المعرضين للإفلاس إلى اتباع سياسات تنتهك حقوق العمال.
وهي تدفع تلك الدول المتعطشة للاستثمار وخلق الوظائف، إلى التساهل بشأن قوانين العمال والبيئة معا. والنتيجة هي أرباح خيالية لهذه الشركات، وسباق عالمي إلى أسفل في ما يتعلق بحقوق العمال والبيئة.
وتأتي تلك الاحتجاجات في إطار الكفاح العالمي ضد ذلك النوع من العولمة، والذي كان قد حقق الكثير من الإنجاز في نهاية التسعينات، ثم تراجع مع أحداث سبتمبر 2001 بسبب الهوس الأمني الذي لف الولايات المتحدة والعالم، فجعل من الاحتجاجات الواسعة المتزامنة في أكثر من مكان في العالم، مسألة بالغة الصعوبة.
لكن الكفاح لم يمت، إذ عاد بأشكال مختلفة، فكانت احتجاجات ولاية ويسكنسن في 2011، ثم برزت حركة "احتلوا وول ستريت" في الولايات المتحدة وانتقلت لدول أخرى، وهي الحركة التي تعتبر في تقديري امتدادا للكفاح نفسه، الذي ناهض "حصول 1٪ فقط من الناس على كل شيء".. ثم انطلقت احتجاجات عمال وولمارت لتبعث ذلك الكفاح وتعيده للحياة من جديد.