مرة تلو الأخرى تثبت الإمارات أنها ليست معنية فحسب بحقوق الطفل ورعايتها وصيانتها، بل إنها تبحث دوماً عن الريادة فيها والعمل من أجل ذلك، والدعوة باستمرار لإيقاظ ضمائر العالم في كل مكان لخطورة التعرض لهذا الإنسان الصغير، ثروة الحاضر وذخر المستقبل.

مرة تلو أخرى تبرهن الإمارات للعالم على أنها تضع حقوق الإنسان عموماً والأطفال خصوصاً في أعلى درجات اهتمامها، عبر المبادرات والدعوات والخطط والبرامج والمؤتمرات الإقليمية والعالمية، لبحث أنجع السبل الكفيلة بالارتقاء بهذه الحقوق وصيانتها، وها هي هذه الأيام تسجل قصب السبق شرق أوسطياً في استضافة المؤتمر الخامس للقوة العالمية الافتراضية، حيث تفتح الملفات وتطرح الاقتراحات وتتخذ التوصيات، لوضع أفضل الخطط والبرامج لحماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال، وأبرزها الاستغلال عبر شبكة الإنترنت.

تعلم الإمارات أهمية مثل هذه المنتديات العالمية للبحث عن حلول للقضايا الإنسانية الملحة عالمياً، ولعل هذا يبرز من شعار المؤتمر لهذا العام الذي حمل التأكيد على أن التعاون الدولي ممكن للحماية، وهو يشي بأمرين؛ أحدهما أن القضايا الإنسانية التي يشترك فيها العالم بأسره، لا بد للوقوف على أفضل الحلول لها من الاستماع لجميع وجهات النظر، واختلافات الرؤى وإبداعات الحلول لها، لأنها قضايا تهم الجميع، ولا تقتصر على أرض أو عرق، وهي متداخلة بين الجميع وتكاد تكون صورها متشابهة.

والأمر الثاني الذي يوحي به هذا الشعار المرفوع على قمة عالمية افتراضية لحماية حقوق الطفل، هو أن قضية الإساءة للأطفال عبر العالم بدأت ربما تأخذ حجماً كبيراً يستدعي التفكير به على الدوام، وعدم اعتباره عرضاً بسيطاً في مجتمع أو أقلية أو أشخاص، فالأمر بلا شك وصل إلى حد المشكلة العابرة للقارات، ومأساتها إن تجذرت في المجتمعات من دون المسارعة إلى كبح انتشارها، ستنذر بخطر اجتماعي كبير لا تدري المجتمعات حجمه ولا تأثيره؛ لأنه يحمل النتائج في رحم المستقبل حين يصبح الأطفال في مرحلة التأثير، ويأخذون زمام المبادرة.

ولا نبالغ إذا قررنا حقيقة أن حقوق الطفل وحمايتها في أي مجتمع، تمثل أعلى درجات تطبيق حقوق الإنسان، فالمجتمع الذي لا يكترث لحماية مخزونه البشري والنهضوي والقيمي في أشخاص الأطفال، هو مجتمع مهزوم بالتأكيد وأول هزائمه أمام أبنائه، ومن ذلك ندرك أهمية المنافسة الإنسانية التي تبنتها الإمارات، بأن تكون من أفضل دول العالم في مجالات حماية الطفل، وأن تكون منبر إشعاع حضاري ومركزاً للتميز في هذا الميدان.

 وحين تؤكد الإمارات اهتمامها بحقوق الطفل، تستدل على سلامة نهجها بإشادات المنظمات العالمية المعنية بهذا الشأن والتي ترصده بأدق المعايير، وليس آخرها إشادة منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف"، بقانون حماية حقوق الطفل الذي اعتمده مجلس الوزراء مؤخراً، والذي يؤكد التزام الإمارات باتفاقية حقوق الطفل، وجديتها في مساعيها الرامية إلى تطوير التشريعات التي تخدم مصلحة الطفل وتتناول قضايا ذات صلة بحقوق الأطفال وحمايتهم.

وعودة إلى جذور هذا الاهتمام وأدلته، نجد أن نصوص دستور الإمارات كانت واضحة جلية في دعوة المجتمع إلى أن يشمل برعايته الأمومة والطفولة، وأن الأسرة هي قوام المجتمع، كما أصدرت العديد من القوانين التي تضع حقوق الطفل موضع الحماية والرعاية والعناية اللازمة، وصادقت الدولة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل في 3 يناير 1997.

ولعل "مشروع قانون وديمة" لحماية الطفولة الذي اعتمده مجلس الوزراء مؤخراً، من أبرز الأدلة الحديثة على تجدد الاهتمام الذي توليه الدولة للطفولة، وجاء ليغطي ويشمل جميع المجالات المتعلقة بحقوق الطفل، ويحوي من الآليات ما يضمن تطبيقه ومن العقوبات ما يشكل رادعاً لمن لا تردعه أخلاقه ودينه عن التعدي على الأطفال.

ويجد هذا الاهتمام تأكيدات واضحة من القيادة بأن جميع الأطفال من دون تمييز، لهم الحق في حياة آمنة وبيئة مستقرة ورعاية دائمة وحماية من أية مخاطر أو انتهاكات، وأن مصلحة الطفل لا بد من أن تكون مقدمة على أية مصلحة، واحتياجاته الأساسية وحقوقه هي واجب علينا جميعاً.

ولقد أكد ذلك، ويؤكده باستمرار، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عندما قال: "إننا لن نتهاون أبداً مع من ينتهك حقوق الطفل الأساسية".