الجدل الصاخب الذي شهدته الولايات المتحدة الأميركية بشأن سوزان رايس، يمثل لحظة كاشفة طفت فيها على السطح العلاقة المتشابكة بين السياسة الخارجية والداخلية الأميركية، وبين ما هو حزبي سياسي وما هو عرقي، بينما ظل المسكوت عنه فيها أهم مما قيل بالفعل.

فبمجرد أن أعلنت هيلاري كلينتون أنها ستترك منصبها مع بداية فترة أوباما الثانية، كان اسم سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس، من أهم الأسماء المرشحة لمنصب وزيرة الخارجية.

ورايس عملت في عهد كلينتون عضوا في مجلس الأمن القومي، ثم مساعدة لوزير الخارجية للشؤون الإفريقية. وهي كانت أحد خبراء السياسة الخارجية الفاعلين في حملة أوباما الأولى، والتي تولت بعدها منصبها الحالي.

ورغم أن الرئيس أوباما لم يرشح رايس رسمياً للمنصب، إلا أن الصخب بشأن توليها بدأ بالفعل، خصوصا وأنها زارت مجلس الشيوخ المسؤول عن الموافقة على ترشيحات الرئيس. غير أن لقاءها المغلق مع عدد من الأعضاء الجمهوريين، لم يسفر عن موقف إيجابي منها. فقد أعلن كل من المرشح الجمهوري الأسبق للرئاسة جون ماكين والسيناتور ليندزي غرام صاحب الباع الطويل في قضايا السياسة الخارجية، اعتراضهما الشديد على تولي رايس لحقيبة الخارجية..

وقد ركز المعترضون على دور رايس عشية أحداث بنغازي، التي قتل فيها السفير وعدد من الدبلوماسيين الأميركيين، حين ظهرت على شاشات التليفزيون تروج لفكرة مؤداها أن ما جرى من عدوان على القنصلية الأميركية، كان عملا تلقائيا في إطار الاحتجاجات التي انطلقت ضد الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم. وهي الفكرة التي ثبت بعد ذلك زيفها، حين تبين أنه كان حادثا مدبرا.

والجمهوريون اعتبروا أن رايس كانت مشاركة بقوة في عملية تضليل للرأي العام من جانب إدارة أوباما، لأهداف انتخابية لئلا يضر الإعلان عن استهداف القاعدة لأميركا بفرص أوباما في الفوز بالرئاسة.

 وقد انضمت للمعارضين واحدة من أكثر أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين اعتدالًا، وهي السيناتور سوزان كولينز، التي أضافت لما سبق تحفظها على أداء رايس في عهد كلينتون، خصوصا في ما يتعلق بتفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، وقت أن كانت رايس مساعدة لوزيرة الخارجية للشؤون الإفريقية.

وقد توالت ردود الأفعال، فكان أولها من الرئيس نفسه. فرغم أنه لم يرشح رايس رسميا للمنصب، إلا أن أوباما انبرى للدفاع عنها بمنتهى القوة. فقد أعلن أنه فخور بأدائها كسفيرة لدى الأمم المتحدة، وهاجم معارضيها قائلاً إنه "إذا أراد ماكين وغرام أن ينتقدا أحدا بشأن بنغازي فلينتقداني أنا"، بدلاً من انتقاد سفيرتنا لدى الأمم المتحدة التي "لا علاقة لها بموضوع بنغازي".

وأضاف الرئيس أنهم "يلاحقون سفيرتنا في الأمم المتحدة لأنهم على ما يبدو يعتبرونها هدفاً سهلًا". وما هي إلا ساعات حتى خرج الكثير من قيادات الحزب الديمقراطي، بمن فيهم الزعماء السود، للدفاع عن رايس معتبرين أن الموقف منها عنصري ومعادٍ للمرأة، فهي تهاجم لأنها امرأه سوداء.

وهكذا يشابك في الجدل حول ترشيح رايس، الداخلي بالخارجي؛ فدور رايس الخارجي تشابك مع هويتها كامرأة سوداء. لكن المسألة في تقديري لا تتعلق بتلك المعطيات، بقدر ما تتعلق بالصراع الحزبي والسياسي الحاد، والذي تأتي فيه قضايا السياسة الخارجية ودور المرأة والمسألة العرقية كمحاور فرعية، وليس العكس.

فالجدل حول رايس في جوهره صراع حزبي وسياسي في المقام الأول، فالحزب الجمهوري قد خرج لتوه من معركة انتخابية مني فيها بهزيمة مدوية. ومعركة رايس بدت بمثابة تأكيد على تفوق الجمهوريين في السياسة الخارجية، وهي مقولة حزبية وانتخابية بامتياز.

والمعايير التي طبقها الجمهوريون على سوزان رايس، كما قال الكثيرون، لم يطبقوها يوماً على الوزراء الجمهوريين. فكولين باول ضلل الأمم المتحدة، وكوندوليزا رايس ضللت الرأي العام الأميركي، بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، الأمر الذي يجعل الموقف من رايس حزبيا وسياسيا. والموقف الذي اتخذه أوباما من هجوم الجمهوريين على سوزان رايس، موقف سياسي وحزبي بامتياز.

فسوزان رايس بحكم منصبها كسفيرة لدى الأمم المتحدة، هي بالضرورة عضو في فريقه للسياسة الخارجية، وهي اختيرت من جانب البيت الأبيض، كما قال أوباما بنفسه، للحديث للإعلام عن بنغازي، ومن ثم فلا يمكن أن توصف بأن "لا علاقة لها بموضوع بنغازي" كما قال!

وفي سياق ذلك الصراع السياسي المحتدم، تأتي المسألة العرقية والموقف من المرأة، فهي جوهر أزمة الحزب الجمهوري. فهو مني بهزيمة كبرى في انتخابات الرئاسة، لأنه استعدى الأقليات والمرأة، وصار معبرا بالدرجة الأولى عن البيض، وبالذات من الرجال. ورايس مثلها مثل الرئيس، يمثلان الحزب الديمقراطي الذي صار، لدى ذلك الفريق من البيض، يعبر عن الأقليات.

غير أن الأهم على الإطلاق في الجدل حول تولي رايس الخارجية، هو المسكوت عنه. فسوزان رايس آخر من يمكن أن يوصف "بالهدف السهل"، كما جاء على لسان أوباما. فهي من أكثر رموز الحزب الديمقراطي ذكاء وصلابة، وهي أيضا من صقور الحزب في مجال السياسة الخارجية.

والمفارقة الحقيقية هي أن رايس التي يهاجمها الجمهوريون، لا تختلف كثيرا معهم من حيث موقفها الداعم للدور الإمبراطوري لبلادها في العالم.

فرايس ظلت دوما من أكثر الديمقراطيين دعما للتدخل العسكري في إفريقيا، فهي دعمت بقوة الغزو الإثيوبي للصومال، وكانت من أهم من دعوا لهجوم جوي وبحري على السودان، ويعرف القاصي والداني أنها لعبت دورا محوريا في إقناع أوباما بالتدخل العسكري في ليبيا.

باختصار، فإن المسكوت عنه في الجدل بشأن رايس، هو أن خلاف الطرفين يتعلق بالتفاصيل لا في الرؤية الكلية، وهو خلاف يدور كله في فلك الفكر الإمبراطوري للسياسة الخارجية الأميركية!