بالوحشية نفسها، اعتدت إسرائيل على غزة في نهاية 2012 مثلما فعلت في نهاية 2008. وحملت الأحداث هذا العام الكثير من الوقائع نفسها التي جرت في 2008-2009، وإن حملت أيضاً أوجه تغير لا تخطئها العين.

ففي العام الحالي، كما في 2008-2009، تكرر القصف الوحشي الذي استهدف المدنيين في الأساس، وتم الاعتداء على الصحافيين الذين يرصدون ما يرتكب من جرائم.

وانطلقت في إسرائيل التصريحات العنصرية بالغة التطرف نفسها التي لم يكن أقلها هذا العام قول وزير الداخلية الإسرائيلي إيلي يشاي: إن «هدف العملية هو إعادة غزة إلى العصور الوسطى، (حتى) يمكن لإسرائيل أن تعيش في هدوء لأربعين عاماً».

 ومثل تلك التصريحات ليست قاصرة، بالمناسبة، على «المتطرفين» في إسرائيل، إذ يردد مثلها «المعتدلون» طوال الوقت. ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، الذي اعتبر دوماً من «المعتدلين»، كان له تصريح شهير قال فيه: «أتمنى أن تغرق غزة في البحر».

والموقف الأميركي الذي اتخذه أوباما، لم يختلف مطلقاً عن الموقف الذي اتخذه سلفه جورج بوش الابن قبل أسابيع من تركه الرئاسة في يناير 2009.

فقد أعلن أوباما دعمه الكامل لإسرائيل، وقدمت الولايات المتحدة رسمياً صورة مزيفة للواقع على الأرض، إذ اعتبر الرئيس الأميركي أن السبب وراء «الأزمة الراهنة» كان العدد المتصاعد للصواريخ التي تقذف من غزة على إسرائيل، وبناء عليه فهو رأى أنه «لا توجد دولة على وجه الأرض يمكنها أن تقبل بإمطار مواطنيها بالصواريخ من خارج حدودها».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ قدمت الولايات المتحدة الضوء الأخضر لإسرائيل لتفعل ما تشاء في غزة، بينما «تنتظر» أميركا ما سوف يسفر عنه العدوان، حيث قال أوباما: «إننا سوف نرى ما نوع التقدم الذي يمكننا إحداثه خلال الأربع والعشرين أو الست والثلاثين أو الثماني والأربعين ساعة المقبلة»! وهو الموقف الأميركي نفسه الذي اتخذته إدارة بوش في عدوان 2008.

والموقف الأميركي الداعم بالمطلق للعدوان الإسرائيلي، جاء وسط حملة «بروباغندا» منقولة حرفياً من عام 2008، اعتبرت أن إسرائيل في موضع «الدفاع عن النفس».

وقد زور الإعلام الأميركي تسلسل الأحداث، فاعتبر أن الشرارة التي فجرت الأزمة كانت إصابة أربعة من الجنود الإسرائيليين بنيران فلسطينية، في تجاهل كامل للطفل الفلسطيني الذي قتل قبل واقعة الجنود بيومين، بل وفي تجاهل لاغتيال أحمد الجعبري أبرز القيادات العسكرية لحماس.

وإسرائيل «البريئة»، حسب الإعلام الأميركي والإسرائيلي، التي تدافع عن نفسها ضد «وحشية» الفلسطينيين، هي نفسها إسرائيل التي تملك السلاح النووي ونظام الدفاع الصاروخي وكافة أشكال الأسلحة المتقدمة، لتدافع عن نفسها ضد شعب محاصر حصاراً إجرامياً منذ سنوات طويلة، ولا يملك أسلحة ثقيلة وإنما صواريخ أعلنت إسرائيل بنفسها أن نظام الدفاع الصاروخي اعترض المئات منها وجعلها بلا فاعلية.

إذاً، يتابع المرء العدوان الإسرائيلي نفسه والموقف الأميركي منه والبروباغندا الإعلامية، فيقول على الفور ما أشبه الليلة بالبارحة.

لكن أموراً أخرى تغيرت في المشهد هذه المرة عن العدوان الذي جرى منذ أربع سنوات. فالواضح تماماً أن المشهد الإقليمي قد تغير، ورد الفعل العربي جد مختلف. فمصر بعد الثورة ليست هي مصر قبلها، فهي لم تقف الموقف المخجل ذاته الذي اتخذته أثناء عدوان 2008، وشعر معه المصريون بالخزي.

فقد سحبت مصر سفيرها فوراً من تل أبيب، وسمت الأمور بأسمائها فوصف وزير خارجيتها الأفعال الإسرائيلية بالأفعال «الإجرامية»، وكانت الرسالة الأهم من ذلك كله أن مصر الحالية لم تعد تابعة.

والموقف العربي أيضاً اختلف بشكل جوهري عما كان عليه في عام 2008. فهذه المرة اتخذ وزراء الخارجية العرب موقفاً موحداً وداعماً للفلسطينيين، بينما ألمح الأمين العام لجامعة الدول العربية في تصريحاته، إلى إمكانية التراجع عن المبادرة العربية التي تمسك بها العرب طوال الوقت ومهما انفلتت القوة الإسرائيلية الغاشمة.

والأجواء العامة في العالم العربي اختلفت شعبياً هي الأخرى، فهناك شعور لا تخطئه العين في بلداننا، يكشف عن أن شعوبنا قد ضاقت ذرعاً بالصلف والانتهاكات الإسرائيلية.

ورغم كل تلك المتغيرات الإيجابية التي تمت الإشارة إليها، والتي تمثل تحولاً نوعياً بالمقارنة بما جرى في 2008، إلا أنني على قناعة تامة بأن إسرائيل لن تلبث أن تخرق اتفاق التهدئة الذي تم التوصل إليه. وهو ما يعني ضرورة التدبر عربياً في سلسلة جديدة من الخطوات، التي ينبغي من خلالها البناء على الخطوات القليلة الإيجابية التي اتخذت حتى الآن.

لكن الأهم من هذا كله هو أحوال أهلنا في غزة، فحتى لو افترضنا جدلاً أن التهدئة ستنجح ولو لفترة قصيرة في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل العدوان الأخير، فالذي ينبغي أن نتذكره هو أن «أوضاع» ما قبل العدوان تلك ليست طبيعية بأية حال.

فهي أوضاع يعيش فيها نحو 1,7 مليون نسمة تحت الحصار البري والبحري والجوي، ولا يمكنهم تصدير ما ينتجون، ولا استيراد ما يحتاجون.

وأهل غزة يعيشون في ظروف إنسانية بالغة التدهور، إذ يعاني أكثر من ثلثي الأطفال الفلسطينيين من سوء التغذية والأنيميا، وتصل نسبة البطالة إلى 29%، بينما يوجد نقص مروع في الأدوية والمستلزمات الطبية، بل وفي عدد المستشفيات من الأساس، وكل التقارير الدولية تشير إلى مأساة إنسانية مروعة.

باختصار فإن غزة تحولت إلى «أكبر سجن في الهواء الطلق»، على حد تعبير عالم اللغويات اليهودي الأميركي ناعوم تشومسكي.

القضية إذاً، ليست التوصل إلى التهدئة، وإنما وضع نهاية سريعة للحصار الظالم أصلاً لأهلنا في غزة.