قفزة نوعية لا تعرف للإبداع حدوداً، تلك التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، قبل أيام ولا يزال صداها يتردد محلياً وإقليمياً وعالمياً، حين أعلن عن مشروع إنشاء مدينة جديدة داخل دبي تحمل اسم "مدينة محمد بن راشد"، تحفة معمارية ومركزاً عالمياً تولد منه المرحلة الثالثة من بناء دبي، وتتألق عبره الإمارات ويتعزز اقتصادها ليرقى في درجات المستقبل، حتى تستقر عاصمة ووجهة في ريادة الأعمال والابتكار والسياحة العائلية، لمنطقة تحيط بالإمارات تضم أكثر من ملياري نسمة.
قفزة صدمت الرأي العام العالمي الذي لا يزال أغلبه يكفكف جراحه جراء الأزمة المالية العالمية، وبعضهم أنهكته الأزمة، بل إن البعض أشهر إفلاسه، لا على مستوى الأشخاص وإنما على مستوى الدول، لتخرج دبي على العالم بمشروع يخلب الألباب تصميماً، ويسحر الأذواق هندسة، ويصدم العقول في حسابات الواقع والمستقبل..
فمن هذه الدولة التي تفتح الِأبواب مشرعة لتتحدى المستقبل والركون لحتميته التاريخية، لتعلن أنها قادرة على صناعته، والبناء والاستثمار فيه، تحدوها درجة عالية من الثقة بالنفس، وقدرة على تجاوز إرهاصات المترددين، الذين لا ينتظرهم قطار المستقبل ولا يعبأ بهم، وهذا ما نطق به سموه حين أطلق المشروع فقال: "نحن لا نتوقع المستقبل بل نحن نصنعه".. و"المستقبل لا ينتظر المترددين".
خطوة عظيمة تتزامن مع حدث كبير في نفوس أبناء الوطن ومحبيه، وهو الاحتفالات باليوم الوطني وذكرى الاتحاد، في رسالة يصل فحواها مباشرة إلى الألباب، لتحتفي بذكرى تأسيس الاتحاد أفعالاً لا مجرد أقوال، وتؤكد أن القيادة والشعب عازمون على مواصلة حمل مشعل الاتحاد والارتقاء بالإمارات درجات متوالية ومتعالية في سلم الحضور العالمي، لتغدو دولة الاتحاد كما خطط ورأى لها المؤسسون؛ عاصمة عالمية ورائدة حضارية، لا تعرف النظر إلى الوراء، بل توقد مع كل إشراقة شمس شمساً جديدة تضيء بها مسيرتها.
والمدينة التي أذهلت العالم في تصميمها وفكرتها هي مذهلة بكل المقاييس، فللقارئ أن يتخيل حديقة مجهزة لاستقبال 35 مليون زائر سنوياً، وأكبر مركز ترفيهي عائلي في الشرق الأوسط وإفريقيا وشبه القارة الهندية، وأكبر مركز تجاري في العالم، قادر على استيعاب أكثر من 80 مليون متسوق سنوياً، ومنشآت فندقية يفوق عددها المئة منشأة، هذا فضلاً عن توفير بيئة متكاملة تستقطب رواد الأعمال والمبدعين، لتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني في الدولة، إضافة إلى المناطق السكنية الراقية والفلل التي تراعي معايير البناء الخضراء، من حيث استهلاك الطاقة ومعالجة النفايات والحفاظ على البيئة الطبيعية.
ربما تكون هذه من أعظم الهدايا التذكارية في ذكرى الاتحاد، لأنها تحمل في دلالاتها الكثير من الإشارات، محورها العزم الصادق على مواصلة مشروع البناء، كما كان ميثاق التأسيس والانطلاق، لعبور الحاضر نحو المستقبل بكامل الثقة والمرونة والقدرة على تخطي العقبات.
غير أننا لا بد أن نقف طويلاً عند أحد أهم أهداف إنشاء هذه المدينة العالمية، وهو أن العمل على جذب العالم إلى الإمارات ليس للسياحة أو الاقتصاد والترفيه العائلي فحسب، وهو مدروس مطلوب ومخطط له باحترافية، لكن ما يذهل حقيقة هو التخطيط لاستقطاب العقول العالمية إلى أرض الإمارات، تحت مظلة مدينة متفردة الفكرة، متخصصة بالإبداع والابتكار وريادة الأعمال لجذب المبدعين.
وها هنا القفزة الحضارية على مشروع عمراني متألق، وها هنا اللمسة الإنسانية العميقة التي تجسد عملياً أن الإنسان أهم من العمران، فمن يخطط للترفيه والمال والاقتصاد والتجارة، يحشد التفكير والتخطيط أيضاً للإبداع والفكر والريادة في عالم الابتكار بلا حدود أو قيود، ليكتمل توازن الحياة حضارة وإنسانية، ونجاحاً مقروناً بالرقي، ووجهة عمرانية اقتصادية شريكة للوجهات الفكرية الإبداعية.
هذه هي القيادة التي نفخر بها حين نقول إنها تضع الإنسان على أعلى سلم أولوياتها، وتصون من خلاله حاضر الدولة ومستقبلها، لأنه عماد البناء وأساسه والمقصود من ورائه، فماذا تفعل النجاحات العمرانية إذا كان الإنسان بين جدرانها غريباً عن ذاته، وعقله وإبداعه؟ وماذا تغني حضارة إذا كانت خالية من روحها الإنسانية العميقة التي تجل العقل ومخرجاته وقيمه وأفكاره؟!