عندما تتحدث عن الشباب فأنت لا شك تتحدث عن المستقبل، وإذا أردت أن تدرك حال أي أمة في ما هو آت، ما عليك إلا أن تستكشف كيف هو حال شبابها، وما يشغلهم، وطريقة التعامل معهم، والنظرة إليهم من المجتمع ومدى تقديرهم.

ولا يقتصر ذلك على المستقبل فحسب، بل ينطبق على الحاضر كذلك، فبعد أن كانت ثروات الأمم تقاس بما تملكه من موارد طبيعية، أصبحت تقاس بما تملكه من قدرات بشرية تستطيع أن تغير واقعها، وهو ما جعل اليابان الدولة الفقيرة بما تملكه من موارد، دولة غنية بالعنصر البشرى، تحتل المركز الثاني كأكبر قوة اقتصادية في العالم.

وبدون شك فإن نادي دبي للصحافة، منذ نشأته عام 1999، أصبح مركزا للتنوير والتفاعل والاشتباك المحمود مع قضايا المجتمع المحلي والإقليمي والدولي، بصدق وفاعلية، ومنصة إعلامية هامة تجاوزت بأدائها حالة التناول الرسمي للقضايا المطروحة، بثقة كبيرة وقوة دفع من القيادة السياسة الرشيدة، التي آمنت بحق بحرية تناول القضايا مهما كانت حساسيتها، واستكشاف جوانبها برؤية وطنية أفضل مائة مرة من أن يتناولها غيرنا ويلبس علينا الحق بالباطل.

وهو ما جعل انعقاد منتدى دبي للإعلام العربي مناسبة ينتظرها الإعلاميون والأكاديميون والمهنيون والدارسون، من مختلف المدارس الإعلامية شرقا وغربا، لهذه الحالة الخاصة التي تطرح فيها القضايا وتناقش بموضوعية ومهنية، من خلال فتح آفاق واسعة للحوار والنقاش العميق، وتبادل الأفكار حول قضايا الإعلام في المنطقة والعالم.

لذا فقد استقطب هذا الحدث خلال مسيرته، نخبة من أبرز الشخصيات الصحافية والإعلامية والمسؤولين الحكوميين، من الدول العربية والعالم، عبر الحوار الثري والانفتاح على كافة الأفكار.

ولأن الأمر كذلك فقد أدرك نادي دبي للصحافة في منتداه السنوي، أهمية أن يكون للشباب دور مهم في إعداده وتنظيمه، وهو ما عبر عنه في الدورة السابقة ضيف المنتدى عالم الفضاء الدكتور فاروق الباز، حين أكد على أن حيوية المنتدى تأتي من الوجوه الشابة التي تتحمل مسؤولية التنظيم. ولكن الأمر لم يتوقف عند إشراك الشباب في الإعداد والتنظيم فحسب، ولكن رؤاهم وقضاياهم كانت حاضرة كذلك، من خلال جلسة خاصة يقدمون خلالها أفكارهم ونظرتهم لوسائل الإعلام وموقعهم منها، بل ونظرة الإعلام إليهم وتناوله لقضاياهم.

جرى ذلك على مدار دورتين سابقتين، ولكن ما أسعدني في الإعداد للدورة الثانية عشرة، والتي لم تعقد بعد، أن الاهتمام بإشراك الشباب أصبح أكثر فاعلية، حين يقوم وفد من الشباب العاملين في نادي دبي للصحافة بزيارة لطلبة الإعلام في مختلف جامعات الدولة، والاستماع إليهم ودعوتهم للاشتراك في فعاليات المنتدى في جلسة بعنوان "الشباب يصنع منبره"، لحث الشباب على التقدم بأفكارهم ضمن مجموعات عمل تتنافس فيما بينها، لإعداد ورشة عمل رئيسية يتحدث فيها الشباب أمام كافة المشاركين، والتي تعد فرصة لإشراك الطلبة ودمجهم في أكبر تجمع للإعلاميين في الوطن العربي، والاحتكاك بالواقع الإعلامي بشكل مباشر، بعيدا عن قاعات المحاضرات.

ولقد استوقفني ذلك العرض الرشيق والمقنع من وفد نادي دبي للصحافة في لقائهم مع طلبة الإعلام في جامعة عجمان، والذي أجابوا فيه على العديد من التساؤلات بصدق وموضوعية. ومصدر سعادتي بهذا اللقاء، هو أن القائمين على منتدى دبي حينما أرادوا أن يخاطبوا الشباب، جاءوا بنظرائهم الذين يتحدثون بلغتهم وفي نفس أعمارهم، دون أن يتم اختيار الموضوعات بشكل فوقي وفرضها دون محاورة أصحاب الشأن المعنيين.

وهذا من أهم نجاحات أي حوار، فنحن دائما أكثر تصديقا واقتناعا بمن يشبهوننا، وهو النهج الذي طالما نادت به القيادة السياسية من ضرورة صناعة الصف الثاني من القادة والمسؤولين، ولن يتم ذلك دون تدريبهم ودفعهم إلى تحمل المسؤولية ومنحهم الثقة، وهو يعكس في الوقت ذاته حرص دولتنا على أن يكون الشباب حاضرا في المشهد بقوة وفاعلية وبمشاركة فاعلة، وألا يتحدث أحد باسمهم، فهم وحدهم يصنعون منابرهم بأفكارهم التي تفاجئنا بالجديد دائما، وبوسائلهم وأدواتهم الاتصالية التي صنعت منهم فاعلين في كثير من الأحداث وليسوا مجرد متلقين، وهذا يتطلب إيجاد القنوات الصحيحة لتفجير ذلك الإبداع دون الميل به عن جادة الصواب.

إن "الشباب يصنع منبره" هو عنوان كبير ومهم، يجب ألا أن نقصره على ما سيقوم به نادي دبي للصحافة في منتداه في دورته الثانية عشرة، ولكنها الدعوة التي يجب أن يتم تفعيلها في كافة مؤسساتنا، ومفادها أن نفتح المجال للطاقات الشابة لتعبر عن نفسها وأفكارها في كافة المجالات، وهو ما تحرص عليه قيادتنا وتنادى به وتدفع إليه دفعا، ولكن هناك البعض من المسؤولين، ممن تكلست أفكارهم وعجزت قدراتهم عن الوفاء بمتطلبات العصر، يخشون على أنفسهم من الطاقات الشابة ويحولون بينها وبين الجلوس في مقدمة المشهد.

وفي تقديري أن نادي دبي للصحافة بإشراكه للشباب، يضخ دماء جديدة في جسد المنتدى فيحافظ على حيويته ويبتعد به عن النمطية، أو أن يتحول إلى ساحة فلسفية قاصرة على فئة من نجوم الإعلام في العالم، إلى منصة لإطلاق طاقات الشباب وتسليط الضوء على أفكارهم وما بداخل أدمغتهم، وهي ذات الفرصة للكشف عن المبدعين وانتقاء القيادات الشابة وتأهيلها وصقل خبراتها، وبذلك يتعاظم الدور وتعم الفائدة.

وبدلا من أن يصبح الشباب ضيوف المنتدى، أصبحوا فاعلين من خلال المشاركة في التنظيم، بما يعظم الانتماء للوطن والمشاركة بالفكر، بحيث يتحول الانتماء إلى ولاء، لأنهم جزء من صناعة الحدث شكلا ومضمونا، من خلال طرح أفكار تغيب عن كثير من المحللين والخبراء.

وآية ذلك أن جائزة الصحافة العربية والتي أصبحت بمثابة أوسكار الصحافة العربية، تذهب في أغلبها للشباب الصحافيين بما يقدمون من أفكار جديدة فكرا ومعالجة.

إن هذا العنوان يجب أن يتحول إلى حالة نكرسها، وهي أن نطلق لأصحاب الأفكار من الشباب الفرصة للتعبير عن أفكارهم، وذلك في الفن والأدب والبحث العلمي، خاصة وأن الوطن غني بهؤلاء ولكن يتطلب ذلك أن ننقب عنهم ونمد لهم يد العون، عبر ذات الطريقة التي لجأ إليها نادي دبي للصحافة.