كنت أحاول مساعدة أصدقاء في قرية تونس الواقعة في الفيوم بمصر، على الاستعداد للأيام القليلة في نهاية الشهر الذي سيقيمون فيها مهرجانا يتعلق إلى حد كبير بفن إبداع الخزف، وهو المهرجان الذي اشتهرت به هذه القرية.
وقد أطلعني أصدقائي على بعض اللافتات التي كانوا قد أعدوها لهذه المناسبة، فرأيت أن إحدى اللافتات المنفذة في ورق الكرتون تحمل الكلمات "احتفالية تونس للفخار والحروف اليدوية"، فسألت نفسي ما الذي تعنيه "الحروف اليدوية؟"، ثم أدركت أن شخصا ما قد وقع نظره على كلمة "حرف" واعتقد أنها خطأ وغيرها إلى "حروف"، وهكذا فإن المئات من هذه اللافتات قد طبعت وأصبح يتعين الآن إتلافها، حيث إنه ما من سبيل إلى عرض تعبير "حروف يدوية".
وهذا يوضح حقيقة القول الإنجليزي السائر الذي مفاده "القليل من المعرفة شيء خطر"، فأنت إما أن تتقن معرفة اللغة العربية، أو لا تعرفها على الإطلاق، بحيث تترك كلمة حرف كما كانت مكتوبة أصلا، وتعرف أنها جمع كلمة "حرفة".
عندما كان يطلب مني أن أكتب عن الترجمة، كنت أصر دائما على أنه من الضروري أن تتملك ناصية المعرفة الكاملة بكل من اللغتين؛ التي تترجم منها وإليها. وبينما يمكن لامتلاك قواميس جيدة أن يكون أمرا مفيدا، إلا أنها غالبا لا تستطيع إنقاذه من ارتكاب الأخطاء.
وأنا أعرف أنني قد رويت هذه القصة من قبل، ولكن تكرارها لا يضير أحدا، فقد كنت في القاهرة وقررت إنجاز كتاب يتضمن ترجمة لقصص قصيرة لمحمود تيمور، ونشره على نفقته الخاصة.
وبالفعل أكملت ترجمة الكتاب كله، ولكنني فكرت في أن أجرب مقطعا من إحدى القصص على صديق لم يكن يعرف العربية لأتبين رد فعله حياله، وقد كان صديقي مجاملا للغاية في ما يتعلق بالقصة ثم التفت إلي وقال: ولكن ما هذه الإنجليزية الغريبة التي كتبتها؟ شعرت بالدهشة حيال كلماته وبالضيق في آن، فسألته: ما الذي تقصده؟ فرد قائلا: حسنا لا أحد يكتب الإنجليزية على هذا النحو.
فتطلعت إلى ما كنت قد كتبته، واضطررت إلى الإقرار بأنه كان على حق، ورددت قائلا: ولكن ذلك هو ما تقوله اللغة العربية. فرد صديقي قائلا: لست أعرف كلمة واحدة من اللغة العربية، وأنا أقرأ كتابا بالإنجليزية، وأود أن أجد إنجليزية مألوفة لدي.
ثم كانت هناك واقعة أخرى من هذا القبيل، حدثت بعد أن ألقيت إحدى محاضراتي في الجامعة الأميركية في القاهرة، وكنت قد انتهيت من المحاضرة، ومضى بعض الطلبة يسألون حول نقاط عدة كنت قد طرحتها في المحاضرة عن فن الترجمة، ثم نهضت فجأة فتاة كانت جالسة في آخر القاعة، وبدت محرجة للغاية وهي تقول لي: ولكن حتى أنت يا سيدي ترتكب الأخطاء في بعض الأحيان. فرددت عليها قائلا: إنني على يقين من أنني أفعل ذلك، وأعتقد أنه ليس هناك مترجم حيا كان أو ميتا لم يرتكب خطأ.
وأطلقت ضحكة قبل أن أضيف متسائلا: ماذا كان الخطأ الذي ارتكبته؟
فتحت الطالبة فمها، ولكنها بدت غير راغبة في قول ما يدور في ذهنها.
فقلت لها: هلمي، اخبريني ماذا كانت غلطتي. عندئذ أبلغتني بأنني في إحدى القصص التي ترجمتها كنت قد استخدمت كلمتي "Good Friday" كترجمة لتعبير "الجمعة الحزينة"، فكيف يمكن أن نترجمها بهذه الترجمة الإنجليزية، بينما هي تشير إلى اليوم الذي يعتقد المسيحيون أن المسيح قد صلب فيه؟ كانت الفتاة مسيحية وبدا أن عينيها توشكان على أن تغرقا في فيض من الدموع.
فرددت عليها: إنني أتفق معك، ولكن لسبب ما فإن الإنجليز يطلقون عليها هذا الاسم، والأمر يبدو متناقضا، ولكن هذا هو الوضع القائم. جلست الفتاة في مقعدها وقد ارتسم تجهم على محياها يوحي بأنها لا تصدق ما سمعته.
قلت لها: إنني أتفق معك، ولكن الحقيقة هي أن هذا اليوم يطلق عليه هذا الاسم باللغة الإنجليزية، وبالتالي لا بد من ترجمته على هذا النحو.
غير أنه في بعض الأحيان، ولكي نضفي الجو المناسب على نص مكتوب، فإن المرء ينبغي رغم ذلك أن يترجمه بشكل حرفي تماما، وعلى سبيل المثال، فإن إنجليزيا يقول لآخر: " come and see me tomorrow"، وسيكون الرد "alright".
ورغم ذلك، فإنه في اللغة العربية يحتمل أن يكون الرد "إن شاء الله"، ويتعين على المترجم أن يترجمها بشكل حرفي تماما، وهكذا يضفي المناخ الصحيح على قصة تدور على سبيل المثال بين اثنين من المصريين.
دعني أختتم هذا المقال بقصة تدور حول تلك المرة التي مضيت فيها إلى سوريا لإلقاء سلسلة من المحاضرات في جامعة حلب، والتقيت برئيس قسم الترجمة، وتجاذبنا أطراف الحديث بإنجليزية مكسرة للغاية، وهي إنجليزية شخص درس هذه اللغة من الكتب فحسب، ثم مضينا إلى قاعة رحبة وألقيت محاضرتي ثم طرح علي شخص سؤالا باللغة العربية، فرددت باللغة نفسها.
ودهش الجميع لأن رجلا إنجليزيا يتحدث العربية بمثل هذه الطلاقة، وإن كان بالطبع بلكنة مصرية.
ثم قال رئيس القسم الذي لم يجمعني به كثير من الود، إنني قد ترجمت عنوان مسرحية لتوفيق الحكيم بشكل خاطئ، فهي تحمل عنوان "السلطان الحائر"، وقد ترجمتها بعنوان The Sultans Dilamma، وأشار إلى أن الكاتب جعل عنوان مسرحيته اسما وصفة. فاستفسرت منه قائلا: هل تريدني إذا أن أترجم العنوان "The Perplexed Sulatan؟ فقال: بالطبع، فهذا يعطي الترجمة الصحيحة.
فبادرت إلى إظهار اختلافي معه قائلا: إن ترجمتي تعطي المعنى الدقيق الوارد باللغة العربية كعنوان للمسرحية، كما تبدو أكثر جاذبية بالإنجليزية، فالمترجم في نهاية المطاف ليس عبدا للنص الذي أمامه، وهو بدوره له مساهمته التي يتعين عليه القيام بها، ولو لم يكن الأمر كذلك لوجدنا شخصا ما يخترع جهازا يقوم بالترجمة. لا، إن دور المترجم لا ينبغي التقليل من شأنه.