مع اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير ضد شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، كان من اللافت أن حركة "حماس" قد ردت على جهود الوساطة التي عرضت عليها بتحويل الأمر إلى السلطة الحاكمة في مصر. وفي نفس الوقت كان الرئيس الأميركي أوباما وقادة أوروبا يحثون الرئيس المصري على بذل كل الجهد لتهدئة الموقف. ورغم أن إسرائيل كانت تهدد بالتصعيد، فقد كانتفي نفس الوقت- ترسل مفاوضيها سراً إلى القاهرة لبحث شروط إنهاء حربها العدوانية على الفلسطينيين في غزة.
ولقد تحركت القاهرة بسرعة وفاعلية، ولم يكن التحرك من فراغ، فقد كان إيقاف العدوان مصلحة مصرية أيضاً، في ظل الأوضاع الخطيرة التي تسود غزة. لكن السؤال الذي كان يدور لدى صانعي القرار في القاهرة كان حول الأهداف الحقيقية للعدوان الإسرائيلي، ولاستهداف القائد العسكري لحماس أحمد الجعبري، خاصة بعد ما تم الكشف عن انه كان من أنصار التهدئة.
وكان طرفاً أساسياً في مشروع اتفاق كانت المخابرات المصرية (التي تتولي ملف القضية الفلسطينية) على وشك إنجازه لتحقيق الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة. كان السؤال المحير هو: لماذا العدوان في هذا الوقت ؟
كانت الاحتمالات التي قيلت لتفسير العدوان الإسرائيلي كثيرة. ما بين العوامل الداخلية الخاصة بالانتخابات الإسرائيلية القادمة، إلى محاولة تدمير أكبر قدر من مخزون السلاح في قطاع غزة، إلى اختيار الأسلحة الجديدة لدى المقاومة واختبار لشبكة حماية الصواريخ عند إسرائيل، إلى محاولة تعطيل مخطط أبو مازن للذهاب للأمم المتحدة، إلى استباق أي خطوات لأوباما نحو الشرق الأوسط في ولايته الجديدة، إلى معرفة موقف مصر بعد الثورة وفي ظل حكم الإخوان المسلمين.
ولا شك أن التحرك المصري السريع لمواجهة الموقف استطاع تجاوز تحديات الصدمة الأولي للعدوان، بإعطاء رسالة واضحة بأن هناك تغييرا في الواقع المصري والعربي. ورغم ان الإجراءات التي اتخذت لم تختلف كثيرا عما حدث في الحرب السابقة على غزة. إلا ان الفرق كان في سرعة اتخاذ القرار.
فسحب السفير المصري تم على الفور وليس بعد أسابيع، وفتح المعابر وإرسال المساعدات وإعلان الدعم الكامل للشعب الفلسطيني في غزة تم على الفور، والسؤال كان: إذا كانت هذه هي البداية في التعامل مع العدوان الإسرائيلي. فهل ستتصاعد على استمرار العدوان ليكون هناك قطع للعلاقات، وامتداد للهيب الحرب خارج غزة ؟!
رغم أن العديد من الخبراء كانوا يتوقعون استمرار التصعيد، ويؤكدون قيام إسرائيل بالغزو البري للقطاع.. فقد كنت من الذين رجحوا أن يتوقف العدوان، وألا يجرؤ نتنياهو على اجتياح غزة، وأن يقبل الجميع الهدنة.
وكان أساس هذا التقدير، هو أن كل الأطراف توافقت منذ بداية الانفجار على إعطاء الدور الأساسي للسلطة في مصر لقيادة جهود التهدئة، والتوسط للوصول إلى وقف القتال. كان طبيعياً أن تعطي "حماس" ثقتها الكاملة في رئيس مصري من نفس الفصيل الذي تنتمي إليه - الإخوان المسلمين- وكان من اللافت أن واشنطن منذ البداية كانت تدفع مصر لإلقاء ثقلها من أجل إيقاف القتال.
أما الأكثر إثارة للانتباه فهو موقف نتنياهو وحكومته، التي تلقت قرارات القاهرة الأولي بسحب السفير وفتح المعابر ودعوة مجلس الأمن ومجلس الجامعة العربية للاجتماع بهدوء، وبدأت في التفاوض على الفور مع المخابرات المصرية لإقرار الهدنة ووقف القتال، ورفضت عروضاً أخرى للتوسط من بينها كما ذكرت هآرتس الإسرائيلية- عرض قدمه وزير خارجية فرنسا لنتنياهو كمقترح فرنسي - قطري !!
لقد كان صمود الشعب الفلسطيني في غزة رائعاً، وكان أداء المقاومة على قدر التحدي، وكان وصول الصواريخ إلى القدس وتل أبيب رسالة بالجحيم الذي ينتظر إسرائيل إذا واصلت العدوان، وأيضاً كان إيقاف العدوان هدفاً يسبق كل أهداف أخرى، وقد تحقق بشروط لا تختلف كثيراً عن الشروط التي أعقبت اجتياح غزة السابق قبل ست سنوات، فهل كان هذا هدف العدوان على شعبنا الفلسطيني في غزة، أم أن الرياح أتت بما لا يشتهيه نتنياهو ؟!
لا أظن ان أحداً يملك الإجابات القاطعة في الجو الضبابي الذي تعيشه المنطقة، ولكن كل ما نستطيع الآن أن نرصد بعض نتائج العدوان الإسرائيلي.
تم تسليط الأضواء على غزة، بعيداً عن القضية الأساسية. واستمرت وسائل الإعلام العالمية الخاضعة للنفوذ الصهيوني في تناول الوضع على أنه صراع بين إسرائيل والذين يهاجمونها من غزة!!
في ظل هذا التزييف الذي مازالت تقوده أميركا التي تتجاهل كل مأساة الشعب الفلسطيني يتضح جزء من المؤامرة، فمع السعي لتهميش القيادة الفلسطينية، تأتي وزيرة الخارجية كلينتون للمنطقة وتذهب إلى "رام الله" وتلتقي بأبو مازن لكي تواصل عملية الابتزاز، وتطلب التراجع عن التقدم للأمم المتحدة لاكتساب صفة الدولة.
نجاح الإدارة المصرية في وقف العدوان على الفلسطينيين في غزة أمر ايجابي لا شك. وسوف تعتبره الإدارة الأميركية رهاناً على نجاح رهانها بإن دعمها للإخوان المسلمين في مصر، سوف يضمن لها السيطرة على فروع "الإخوان" الأخرى ومنها حماس التي ستنخرط وفقاً لهذا التصور في المسيرة السلمية !!
ويبقى الأهم، وهو أن إسرائيل وافقت على ان تكون مصر هي راعية الاتفاق، وان يعود الأمر في حالة وجود أي خلافات في التطبيق إليها، وهي تعلم أن حماس هي فرع من "الاخوان المسلمين" التي ينتمي لها الرئيس المصري!
يلفت النظر أن الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" وهو يؤكد ضرورة تأكيد وحدة الأراضي الفلسطينية، حذر من "تحميل الشقيقة مصر مسؤوليات تمس أمنها القومي، كما تمس المصالح الوطنية الفلسطينية"، في اسرائيل تقول المصادر الحكومية إن حكومة "الإخوان" في مصر تصرفت بشكل بناء. هل هو المخطط القديم الجديد لإلقاء غزة في أحضان مصر، وإلقاء ما تبقى من الضفة على الاردن؟ وهل تتصور أميركا أن دعمها للإسلام السياسي في المنطقة يمكن أن يمرر هذا المخطط ؟.. للأسف الشديد، علينا ان نواجه هذا الاحتمال !!