"التحالف الكردي - الشيعي أكذوبة"، هذا ما صرح به أحد القياديين في ائتلاف دولة القانون الحاكم في العراق، وهو ما تسبب في غضبة الرئيس العراقي جلال الطالباني وإسراعه في الرد لنفي ذلك بقوة، وليفتح سجالا بدأ يعمل على توسيع شقة الخلاف الآخذ بالتصاعد بين حلفاء الأمس وخصوم اليوم، على المستويين السياسي والعسكري.

على المستوى الميداني وقع في السادس عشر من نوفمبر الجاري ما كان متوقعا ومخشيا وقوعه، وهو الصدام بين القوات العراقية وقوات البيشمرگة الكردية وسقوط بعض القتلى وعدد من المصابين.

حدث ذلك حين تصدت قوات البيشمرگة للقوات العراقية التابعة لقيادة عمليات دجلة، عند محاولتها دخول قضاء توزخرماتو، معتبرة وجود هذه القوات في هذا القضاء تهديدا لأمن إقليم كردستان. دخلت واشنطن على الخط بسرعة لمنع تصاعد الأزمة وانهيار العملية السياسية، فوفق مصدر كردي مطلع فإن نائب الرئيس الأميركي بايدن المكلف بالملف العراقي.

قد أبلغ المالكي بأن "الاشتباك المسلح مع البيشمرگة الكردية هو خط أحمر"، محذراً في الوقت نفسه من أن "القوات الأميركية ستتدخل في حال اندلاع القتال في كركوك وأي منطقة أخرى". وقد عرضت الولايات المتحدة إعادة نشر قواتها بين الطرفين في حال موافقتهما، وهو ما رفضه رئيس الوزراء.

المتابع لمسلسل الأحداث والتصريحات بشأنها، لا يستطيع إلا أن يستنتج أن الطرفين يسعيان لتصعيد الأزمة التي تسهم في تغذية لهيبها تصريحات غير مسؤولة تصدر من هنا وهناك من جهة، ودول إقليمية تلعب لعبتها من خلف الستار من جهة أخرى.

من الصعب القول بأن الأزمة الراهنة هي أحد أوجه الصراع بين العرب والكرد، رغم أن الانتماء الإثني غير مستبعد كأحد العوامل الكامنة خلفها. فليست الأطراف العربية كلها تشارك رئيس الوزراء موقفه، كما أن من الصعب القول كذلك بأن جميع الأطراف الكردية تقف مع البارزاني في مواقفه المتشددة.

ولكن يمكن القول إن ما يتحكم في هذه الأزمة هو الخلافات العديدة التي اكتسبت طابعا جديدا مع انسحاب القوات الأميركية، وهي خلافات تراكمت على مدى السنوات العشر منذ سقوط النظام السابق، وبقيت دون حلول وجرى ترحيلها المرة تلو المرة.

ويبدو أن معظم هذه الخلافات متعذر الحل في أطر التشنج السائد بين العاصمتين، لأنها ترتبط بالتمايز بين الهويتين الكردية والعراقية، إلا أن قرار تشكيل قيادة عمليات دجلة الذي أصدره رئيس الوزراء مؤخرا.

ومباشرة هذه القوات لمهامها، كانا بمثابة الشرارة التي نقلت الأزمة إلى طور جديد، لأن صلاحيات هذه القوات هي تولي الملف الأمني في محافظات كركوك وديالى وصلاح الدين، التي فيها مناطق يعتبرها التحالف الكردستاني تابعة لإقليم كردستان، ومن ضمنها مدينة كركوك التي يتمسك الكرد بتبعيتها للإقليم.

الطرفان يتحدثان عن الالتزام بالدستور بطريقة انتقائية، فقد كان شخوص دولة القانون، قبل تشكيل هذا الائتلاف، حاضرون بقوة في كتابة الدستور وكذلك كان شخوص الكرد، ولكن الألغام التي أسهم الطرفان مع الآخرين في وضعها في بنود الدستور ومواده، قد حان أوان انفجارها .

ولم يعد هناك مجال لترحيل ذلك إلى وقت آخر كما كان يحصل في السنوات المنصرمة. الاحتكام إلى الدستور باعتباره المرجع الوحيد لحل الخلافات أمر لا بد منه، إلا أن الدستور وحده لم يكن حجر الأساس في مسيرة العملية السياسية منذ إقراره عام 2005، بل كانت التوافقات هي البديل عنه، رغم ما ألحقه بعض هذه التوافقات من أضرار بمصالح الشعب العراقي.

ولم يكن تشكيل الحكومة القائمة استثناء من ذلك، بل كان نتيجة واستحقاقا لهذه التوافقات. قرار رئيس الوزراء بتشكيل قيادة عمليات دجلة، لا يتعارض مع الدستور من حيث المبدأ، باعتبار ذلك من صلاحياته حصرا كقائد عام للقوات المسلحة المسؤولة عن حفظ الأمن وضمان سلامة العراق، إلا أنه في الوقت نفسه فإن الالتزام بتنفيذ المادة 140 من الدستور نفسه، هو ما يذهب إليه القادة الكرد كاستحقاق دستوري أيضا.

والحقيقة أنه من الصعب تصور أن إصدار هذا القرار كان مرتجلا لم تهيأ الأجواء لإمراره في أطر السياسات التوافقية القائمة في العراق، خاصة أن هناك حساسية كبيرة لدى الكرد من تغلغل قوات الجيش العراقي في المناطق التي تقع تحت نفوذهم في الوقت الحاضر.

والتي تعتبر من المناطق المتنازع عليها. فالقرار قد اتخذ في سياق التصعيد في سياسات كسر الأذرع والإرادات، التي بدأت بين رئيس الوزراء وبين رئيس إقليم كردستان، الذي أصبح أبرز المعارضين لسياساته بعد تراجع دور علاوي في الشأن السياسي العراقي. فردود الفعل لدى الكرد على هذا القرار لم يكن من الصعب استنتاجها من قبل دولة القانون، التي تعرف عن كثب الكثير عن من تتعامل معهم منذ سنوات، سواء من حلفائها أو معارضيها.

القيادات الكردية لم تعد تخفي رغبتها في الاستقلال بدولة خاصة، إن سمحت الظروف الدولية والإقليمية بذلك، في حين يرى ائتلاف دولة القانون أنه قد لا يتمكن من منع ذلك وفق الدستور، ولا بد من قبوله كأمر واقع، ولكن بأقل فقدان لأراضي العراق لصالح هذه الدولة الناشئة.

الخروج من هذه الأزمة صعب جدا، فالولايات المتحدة لا تطرح حلا عمليا بعودة قواتها للفصل جغرافيا بين الطرفين، وإنما تعمل على ترحيل انفجار الأزمة القائمة إلى وقت لاحق، وتوفير الظروف لتفاقمها. من جانب آخر تراجع رئيس الوزراء عن قراره ليس سهلا.

كما أن قبول رئيس إقليم كردستان وإذعانه لقرار بغداد أمر مستبعد جدا، فتولي قيادة قوات دجلة للملف الأمني في المحافظات الثلاث، يعني تخلي رئيس الإقليم عن الدعاوى التي ما انفك التحالف الكردستاني يطرحها ويصر على التمسك بها في جميع مواقفه.

عودا على بدء، نجد أنفسنا أمام تساؤل هام لا مفر من مواجهته: هل تحالف بغداد وإربيل للإبقاء على العراق دولة موحدة هو الآخر أكذوبة؟