تضاءلت فرص عقد الاجتماع الوطني الذي دعا إليه الرئيس العراقي جلال الطالباني في إبريل المنصرم، للخروج من الأزمة السياسية التي تعصف بالعراق، فمن تأجيل إلى آخر أصبحت الاستجابة لدعوات عقده تتضاءل باستمرار، وأصبحت تبدو غير واقعية في ظروف التشنج والاستقطاب في الساحة السياسية.
ولم يعد يأخذها الضالعون في العملية السياسية على محمل الجد. فمعظم القوى السياسية المؤثرة قد حسمت موقفها، فيما عدا الرئيس العراقي الذي لا يريد أن يرى أن مشروع الاجتماع الوطني الذي تمسك بالدعوة إليه قد فشل، وأن الحلول الوسطية التوفيقية لم يعد لها مكان في الأزمة القائمة، فالخلافات بين الفرقاء في العملية السياسية لا يمكن لمائدة عمل مشترك أن تجمعهم حولها.
وقد أعرب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي مؤخرا، عن رغبته في إعادة النظر في التحالفات القائمة بغية تشكيل حكومة أغلبية سياسية للخروج من الأزمة. والحقيقة أن هذه الدعوة قد جاءت بعد أن وجد المالكي أن الفرصة سانحة لإبعاد أقوى معارضيه عن مواقع التأثير في القرار السياسي.
وهي دعوة لا يمكن اعتبارها بمثابة ضغط أو تهديد يمارس على الكتل الأخرى لإضعاف محاولاتها للنيل من رئيس الوزراء، ولا يمكن اعتبارها كذلك خطوة متأتية من تفهم أعمق وممارسة أفضل للديمقراطية، قدر ما هي رغبة في الانفراد أكثر من ذي قبل بصناعة القرار السياسي.
وعلى أية حال، وأيا كانت الأسباب التي تكمن خلف هذا التوجه، فهو من حيث المبدأ صحيح، فالإبقاء على ما هو قائم من توافق يفسح المجال لتكريس الفشل ودفع الأزمة القائمة نحو المزيد من التعقيد، وهو أمر لا يسر من يريد الخير للعراق. فمن الضروري فك الارتباط بين الحكومة والمعارضة، وإزالة التداخل بينهما وفرز الخنادق، ليتحمل كل مسؤوليته ويترك الجمهور ليحكم على الأداء.
الدعوات لتشكيل حكومة أغلبية سياسية في العراق جاءت متأخرة، فقد كان على قادة العملية السياسية الأخذ بهذا النهج منذ نهاية دورة الحكومة الماضية، بعد أن تراكمت الاخفاقات تلو الإخفاقات على جميع الأصعدة، وحصدت حكومة ما يسمى "الشراكة الوطنية" الأولى الفشل تلو الفشل، وأصيبت العملية السياسية بالشلل شبه التام.
فالاتفاقيات التي أبرمتها الكتل السياسية على أسس توافقية لم تكن غير حبر على ورق، فوثيقة أربيل التي تشكلت بموجبها حكومة "الشراكة الوطنية" الثانية، قد تم الالتفاف عليها وتمييعها. ولعل أبرز نقاط ضعف هذه الحكومة وأخطرها، هي افتقارها لبرنامج عمل مشترك، فكل كتلة أصبحت تنظر إلى الوزارات التي حصدتها كمزارع خاصة بها. وأصبحت التوافقات هذه بمثابة غطاء لتمرير عمليات فساد كبرى، كان آخرها ما فاح من خلال صفقة السلاح مع روسيا والملابسات التي أعقبت ذلك.
وفي ضوء ذلك يبدو من خلال ما حصده العراقيون على مدى العشر سنوات المنصرمة، أن الديمقراطية ليست غير ضيف طارئ على بلدهم، فالعملية السياسية تقودها كتل وأحزاب لا ترى في الديمقراطية غير وسيلة للصعود إلى السلطة.
فقياداتها ليس لديها ما يربطها إيديولوجيا بالديمقراطية من قريب أو بعيد، وأجندتها، غير المعلنة، أجندة شمولية تستند إلى حيثيات تاريخ تعتقد أنه يخولها الادعاء بأنها تمتلك تفويضا قدسيا لتنفيذها، متجاهلة طبيعة العصر وسماته المميزة، حول السعي نحو ما يخص سعادة وتقدم الإنسان فحسب وليس غير ذلك. وهي بأجندتها البعيدة عن روح العصر، وظفت ولا تزال توظف الولاءات الموروثة لدى الطبقات الفقيرة في المجتمع، الغارقة في السبات.
دعوة رئيس الوزراء لتشكيل حكومة أغلبية، تعني حصرا حكومة برئاسته تحت مظلة التحالف الوطني، الكتلة الأكبر في المجلس النيابي. وفي ذلك ما يستوجب التوقف، إذ من الصعب على أية كتلة سياسية تشكيل حكومة لوحدها، فذلك يتطلب الحصول على الأغلبية المطلقة في المجلس النيابي، أي موافقة 163 نائبا، وهو من المستبعد في ضوء الخارطة الإثنية والمذهبية، ما لم يتم إرضاء أفراد من كتل أخرى للاصطفاف مع التحالف الوطني. تحقيق ذلك ليس بالأمر العسير.
فهناك أكثر من تجمع نيابي قد انشق عن ائتلاف العراقية أو لا يزال ضمنها قد يكون مستعدا لذلك، إلا أن الصعوبة الأكبر هي مع التحالف الكردستاني، لأن انشقاق أي تجمع نيابي عنه، وهو أيضا أمر غير مستبعد تماما، يخلق تداعيات خطيرة على موقف الإقليم، الذي حرص على الظهور حتى الآن بموقف الصف الواحد، على الرغم من الخلافات بين الأحزاب المنضوية تحت لوائه.
من هذا المنطلق ينظر بعض قادة العملية السياسية، إلى أن الدعوة لتشكيل حكومة أغلبية يراد بها تفتيت كتلة العراقية وتفتيت التحالف الكردستاني، وهي نظرة لا تخلو من التأثر بأجواء غياب النوايا الحسنة، السمة التي تتصف بها العملية السياسية في العراق. وإذا تشكلت حكومة جديدة على هكذا أسس، فهي لن تكون حرة في تنفيذ برنامجها السياسي، فضم تجمعات نيابية من خارجها سيلزمها ببعض الشروط التي يفرضها هؤلاء لقاء انضوائهم تحت مظلتها.
الذهاب إلى حكومة الأغلبية السياسية نقلة نوعية تغير من قواعد اللعبة السياسية، وليس من السهل اتخاذها دون ضوء أخضر من جانب الولايات المتحدة، التي لا تزال تمتلك سلطة وضع الخطوط العامة للعملية السياسية. كما أن الأخذ بهذا الخيار يخل بتوازنات إقليمية.
وقد يزيد من الصعوبات أمام حكومة الأغلبية السياسية في المستقبل. أما الخطوة العملية نحو تنفيذ ذلك، فهي أن يقدم رئيس الوزراء استقالته، وهو قرار من المستبعد أن يقدم عليه ما لم يضمن أن التحالف الوطني بكتله المختلفة، لن يخذله ويرشح شخصا آخر لهذه المهمة.
من جانب آخر، قد يكون من الأفضل الأخذ بخيار حكومة الأغلبية السياسية، بعد الانتخابات النيابية القادمة مطلع عام 2014، والتعرف على شكل الخارطة السياسية التي ستتمخض عنها وما إذا كان بقدرة كتلة واحدة في المجلس النيابي الجديد، بمفردها أو بتحالفها مع كتل أخرى تحمل أجندة قريبة لأجندتها، أن تحصل على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة.