من أصوب وأطرف ما قرأت في وصف الاقتصاديين، هو ما ذكره المؤلف الشهير لورنس بيتر عندما قال: "الاقتصادي هو ذلك الشخص الذي سيخبرك غداً لماذا لم يحدث اليوم ما تنبأ به بالأمس!"، وهذا ما يحدث كثيراً هذه الأيام، ولا أدلّ عليه سوى تلك القنوات المختصة بالأعمال والاقتصاد.
والتي يثرثر فيها أصحاب الياقات المنمّقة وهم يتحدثون عن وصفاتٍ مشوّهة لإنقاذ الاقتصاد العالمي الذي كانوا سبباً في ما آل إليه، بل وفوق ذلك عجزوا عن التنبؤ بأزمته القادمة، والتي كانت فقاعتها لا تخفى على من ينظر جيّداً ولا يكون عمله التطبيل لمساراتٍ معينة من أجل حفنة دولارات تصل خفية، أو للظهور على الشاشة الملوّنة!
هؤلاء القابعون خلف المكاتب المغلقة، وجدوا فرصة ذهبية أخرى سارعوا باستغلالها كالعادة، وهي بتأليف أعدادٍ تتكاثر تكاثر الوباء من الكتب التي تحمل مزيداً من الوصفات والنصائح غير الـمُجرّبة، وبالتالي غير العملية لإنقاذ العالم الغربي الغارق حتى أذنيه منذ أربع سنوات في أزمته الاقتصادية الطاحنة، والتي مِن ضمن مَن يقودها توماس فريدمان، الذي فشل فشلاً ساحقاً في تنبؤاته بسقوط الصين وأميركا اللاتينية وصعود الرأسمالية الغربية، فكل ما تنبأ به حدث عكسه تماماً، بل حتى طنطنته عن الهند وتمجيده لديمقراطيتها المستوردة من الغرب لا معنى لها، لأنها ديمقراطية مشوّهة أعلت شأن المصانع على حساب الأرياف، والمنتجات الاستهلاكية على غذاء الأفواه الجائعة.
وبالتالي إشباع نهم الأثرياء وإرسال الفقراء لمزيد من الفقر والبطالة وسوداوية المستقبل. بل حتى نيكولاس طالب وبجعته السوداء لم يُقدّم جديداً بنظرية "اللامتوقع الذي قد يحصل" فقد سبقه بها كثيرون، والأهم من ذلك أنّه لم يضع حلّاً إطلاقاً و"كأنك يا أبو زيد ما غزيت"!
رغم ذلك الضجيج الإعلامي الغربي المكثّف لتسويق نموذجهم الرأسمالي، إلا أن هناك من رفضوا ذلك الانسياق وأثبتوا عملياً صواب ما اختاروه من تفصيل نماذجهم الاقتصادية بما يتناسب وأوضاعهم وخصوصية مجتمعاتهم، كما حدث في أميركا اللاتينية والتي يحظى أغلب دولها بمعدلات نمو مشجعة للغاية، على عكس الولايات المتحدة ودول منطقة اليورو التي تتخبّط حتى الساعة في دوامة عاصفة لا يبدو لها من نهاية، لعدم جدوى الآليات المستخدمة.
ولا أدلّ على ذلك من أنّ المفوضية الأوروبية توقعت الأربعاء الماضي ارتفاع البطالة في منطقة اليورو إلى 12٪ العام المقبل، وأن تخفق إسبانيا وفرنسا في خفض عجز الميزانية كما وعدتا، رغم أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قام بخفض النفقات وزيادة الضرائب في أقسى خطة حكومية منذ ثلاثين عاماً. أضف إلى ذلك تلك الاحتجاجات الشعبية العارمة في اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، لما قادتهم إليه سياسات التقشف من أجل الأخذ من جيوب البسطاء لإرضاء جشع جيوب الأثرياء والمصارف الكبرى!
منذ أن تولى هوغو شافيز الحكم في فنزويلا عام 1999 خلافاً لما أراده صُنّاع القرار في واشنطن، والإعلام الغربي وخصوصاً الأميركي لا يتوقف عن الانتقاص من فكر حكومته ويتنبأ بانهيار نموذجه الاقتصادي المناقض للنموذج الرأسمالي الفردي، وبأنّ سعيه لتأميم القطاعات الاقتصادية المهمة كالنفط، سيؤدي لوأد ازدهار القطاع الخاص وتوقف الاستثمارات الأجنبية لفنزويلا.
والمضحك في الأمر أنّه رغم كل هذا الهجوم والشوشرة، فإن الاقتصاد الفنزويلي منذ ذلك العام حقق أعلى مستوياته طيلة تاريخه، وحالياً يبلغ الناتج المحلي 373 مليار دولار وبنمو وصل إلى 4.2، في ما بدا أنّه أبلغ رد على كل منظّري شيكاغو وستانفورد وهارفارد ودعاواهم المتهالكة!
لقد آمن شافيز بأنّ الخروج من تبعية الولايات المتحدة هو بالكف عن الانجرار إلى استخدام وسائلها الـمُقيّدة لقرارات الشعوب مستقبلاً، وتحديداً صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووصفاتهما المشبوهة، التي لا تزيد الدول الـمُقترضة إلا تأزماتٍ اقتصادية لا تنتهي، وتكون في الغالب كصك العبودية لتوجهات البيت الأبيض.
كما كان من المناهضين لسياسات خصخصة القطاعات الحيوية، والتي آذت أميركا اللاتينية طويلاً، وعمل على تطوير نموذج اقتصادي حظي بقبولٍ شعبي يكفي للدلالة عليه انتخابه للمرة الثالثة قبل أسابيع قليلة، إذ إنّ ذلك النموذج القائم على زيادة سيطرة الدولة على المرافق الحيوية، نجح في خفض الفقر للنصف، والفقر المدقع بنسبة 70٪، وزاد الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، وزاد كثيراً الحدود الدنيا للأجور، وخفض البطالة للنصف، وأعطى الأحياء الفقيرة السيطرة على البرامج الاجتماعية.
ورغم أنّ فنزويلا تعتبر رابع أكبر مُصدّر للنفط إلى الولايات المتحدة بعد كندا والمكسيك والسعودية، إلا أنّ لهجة العداء المستعرة تجاهها من البيت الأبيض وآلته الإعلامية، جعلت كاراكاس تهتم بتقوية بُعدها الاستراتيجي، بزيادة ارتباطها بجاراتها من الدول اللاتينية وفتح قنوات تعاون وتبادل تجاري كبيرة مع أكبر قوتين مناوئتين للهيمنة الأميركية: الصين وروسيا، فنجحت بقيادة شافيز في خلق هيئة إقليمية للتكامل السياسي والاقتصادي بدعم 12 زعيماً لاتينياً عام 2008.
وإمعاناً في توثيق تلك العلاقات قامت فنزويلا بتزويد الدول اللاتينية بالنفط بأسعار مخفضة، وأحياناً مقابل خدمات كما هو الحال مع كوبا، إذ تُصدّر لها يومياً 100,000 برميل مقابل 40,000 طبيب وممرض كوبي يعملون في فنزويلا.
كما ساعدت بوليفيا في إدارة قطاعها النفطي وفي إيقاف نهب اسبانيا لعائدات شركة الكهرباء البوليفية، وقامت بأمرٍ مشابه من بيع النفط بخصومات للصين مقابل قرض بلغ 42.5 مليار دولار منذ عام 2007، إذ تحصل الصين على 640,000 برميل نفط فنزويلي، منها 200,000 كدفعات لسداد القرض.
إن ما يحدث من نجاحٍ اقتصادي وتنمية اجتماعية في فنزويلا، لهو أبلغ دليل على أن بإمكان أي بلد أن يتلمس طريقه للنجاح بأسلوبه الذي يتماشى مع أولوياته ومع طموحات شعبه، وأنّ ليس بإمكان أحد أن يحبس فصل الربيع أن تُطل تباشيره على الآخرين.
وحيث إن تقديرات المسوح الجيولوجية الأميركية تؤكد وجود مخزون نفطي يبلغ 500 مليار برميل في فنزويلا التي تستخرج منه قرابة المليار سنوياً، فإنّ أمامها 500 عام من العائد المالي لديمومة التنمية، وحرق أعصاب توماس فريدمان ومن سيأتي بعده!